(الإيجاز ضربان: إيجاز القصر، وإيجاز الحذف.
والفرق بينهما أن الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه، فهو إيجاز حذف، وإن كان كلاما يعطي معنى أطول منه فهو إيجاز قصر. وقد يجتمعان في نحو قولك: ما رأيت إلا زيدا، إذا جعلت المفعول محذوفا، فالأول إيجاز القصر، وهو ما ليس بحذف. ومنهم من قال: هو تكثير المعنى، وتقليل اللفظ. ويرد عليه فلان يعطي ويمنع. فإن فيه ذلك، كما صرح به السكاكي، وليس إيجاز قصر بل إيجاز حذف. وكذلك كل إيجاز حذف فيه هذا المعنى. والتحقيق أن فلانا يعطي ويمنع، إن أردت جعل الفعل فيه قاصرا، فهو إيجاز قصر، وإن أردت جعله متعديا، وحذفت مفعوله؛ لإرادة العموم فهو إيجاز حذف. ومن أبلغ الإيجاز، قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) فإن لفظه يسير، ومعناه كثير؛ لأنه قام مقام قولنا: الإنسان إذا علم أنه إذا قتل يقتص منه، كان ذلك داعيا له قويا مانعا من القتل فارتفع بالقتل، الذي هو قصاص، كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم.
وقوله: (ولا حذف فيه) فيه نظر؛ لأن متعلقى الطرفين محذوفان على رأى الجمهور، وكذلك مضاف فإن التقدير في مشروعية القصاص إلا أن يقال: أريد بالقصاص شرعه فيكون مجازا.
قال: وفضله على ما كان عندهم أوجز كلام في هذا المعنى وهو قولهم: (القتل أنفي للقتل) من وجوه، بل قال ابن الأثير: إنه لا نسبة بين كلام الخالق عز وجل، وكلام المخلوق. وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.