الحصر بالاستثناء أصله أن يكون المخاطب يجهل ما استعمل له، وهو إثبات الحكم المذكور إن كان قصر إفراد، أو نفيه إن كان قصر قلب، كما تقول لصاحبك: (إذا رأيت شبحا على بُعْدٍ: (ما هو إلا زيد، ومثاله في القرآن:(وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) هذا هو الأصل، وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب، فيستعمل له القصر بما وإلا إفرادا نحو: (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) فإنه خطاب للصحابة، وهم لم يكونوا يجهلون رسالة النبي إلا أنه نزل استعظامهم له على الموت تنزيل من يجهل رسالته؛ لأن كل رسول لا بد من موته، فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته، وهذا هو الصواب، وبه يظهر أن هذا قصر قلب، لا قصر إفراد؛ فإن اعتقاد الرسالة وعدم الموت لا يجتمعان، وإنكارهم الموت ينفي أن يجتمع معه الإقرار بالرسالة، حتى يكون قصر إفراد، وبهذا يعلم أن ما قلناه خير من قول غيرنا: (إنهم نزلوا لاستعظامهم موته منزلة من ينكر موته، ويثبت له صفتي الرسالة وعدم الموت؛ فيكون قصر إفراد؛ لأن ما ذكرناه لا يؤدي إلى أنهم نزلوا منزلة من يعقد أمرين متنافيين، ومثل المصنف لتنزيل المعلوم منزلة المجهول في قصر القلب بقوله تعالى:(ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) فإنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون بشرا، فنزلوا علم الرسل بأن المرسل إليهم يعلمون أنهم بشر منزلة من لا يعلم؛ فلذلك خاطبوهم بقولهم: (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) ثم ذكر المصنف جواب سؤال مقدر وهو أن الرسل قد علموا أن المرسل إليهم يعلمون أنهم بشر فكيف خاطبوهم بالاستثناء في قولهم: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) وهو إنما يخاطب به من يجهل ذلك الحكم؟ فأجاب بأنه من مجاراة الخصم؛ إذ شأن من يدعي عليه خصمه الخلاف في أمر لا يخالف فيه أن يعيد كلام خصمه على صفته ليعثر الخصم حيث يراد تبكيته، أي: إفحامه وإسكاته، وليس ذلك لتسليم انتفاء الرسالة.