ثم بعد تسليم أن ذلك كله مجاز، قيل: إن علاقته المضادة؛ لأن الأول محرم، والثاني مشروع، وقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) قيل: مجاز كذلك من إطلاق المسبب على السبب.
وقيل: من مجاز المقابلة، ويفسده قوله تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) فإنه لم يذكر قبله ولا بعده مكر الآدمى، فلا مقابلة.
قال في الإيضاح: وقيل: يحتمل أن يكون مكر الله حقيقة، فإن المكر هو التدبير فيما يضر الخصم، وهذا محقق من الله باستدراجه إياهم بنعمه مع ما أعدّ لهم من نقمه.
(قلت) : لا يصح ذلك؛ لأن التدبير أيضا يستحيل نسبة حقيقته إلى الله - تعالى - قال الجوهرى: التدبير في الأمر أن ينظر إلى ما تؤول إليه عاقبته.
وقال الراغب: هو التفكر في دبر الأمور. وقال الغزالى: جودة الروية في استنباط الأصلح، وهو على الله تعالى محال؛ ولذلك فسر قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) بأنه أقام بذلك من يدبره.
وقيل: معناه: يقضي. وقيل: يريد.
ولو أن المصنف ترك التعبير بالتدبير وقال: المكر حقيقة في فعل ما يسوء الشخص في عقباه لما ورد عليه هذا، لكنه لا يوافق اللغة. قال الجوهرى: المكر الاحتيال والخديعة، وذكر الراغب نحوه، فثبت أنه في الآية مجاز.
ومن لطيف مجاز التشبيه أو المقابلة قوله تعالى: (فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) فإن الجزاء سمى عدوانا لمقابلته للعدوان، أو لتسببه عنه ولذلك أخرج من عمومه بالاستثناء، فوجه لطفه أن المقابلة لم تقع بين كلمتين بل بين مدلولات كلمة واحدة، ويمكن أن يقال في مثل ذلك: إنه جمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا كله - أيضا - يحتمل أن يكون استعارة كما سبق.