فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 85

وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إليه طبعًا، وكان يحنو عليه، ويحسن إليه، ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك؛ مع أنه على دينهم وعلى خلتهم؛ إلا أن الله قد امتحن قلبه بحبه حبًا طبعيًا لا شرعيًا.

وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية؛ إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولاجترؤوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص:28] ، وقد قسم خلفه أنواعًا وأجناسا.

فهذان العمان كافران: أبو طالب وأبو لهب، ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من النار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمن أنه {سيصلى نارًا ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب} [المسد:3 و 4] .

روى الإمام أحمد، والبيهقي عن ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهليًّا فأسلم - قال:

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول:

(( يا أيها الناس! قولوا:(لا إله إلا الله) تفلحوا )).

والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيءُ الوجه أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب.

ثم رواه البيهقي من طريق أخرى عن ربيعة الديلي قال:

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، وراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم.

قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب.

وأما أبو طالب؛ فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي؛ كما سيظهر من صنائعه وسجاياه واعتماده فيما يحامي به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

وروى البخاري في (( التاريخ ) )، والبيهقي عن الحاكم من حديث عقيل بن أبي طالب قال:

جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا. فقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد. فانطلقت فاستخرجته من كنس، أو خنس- يقول: بيت صغير - فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء، فقال:

(( ترون هذه الشمس؟ ) ). قالوا: نعم. قال:

(( فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت