المقطع الثالث
قال المصنف (فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا"الاعتقاد"، كما كانوا يدعون اللَّه سبحانه ليلًا ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللَّه ليشفعوا له، أو يدعو رجُلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيًا مثل: عيسى، وعرفت أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: {فلا تدعوا مع اللَّه أحدًا} [1] ،وقال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} [2] وتحققت أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها باللَّه، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى اللَّه بذلك، هو الذي أحلَّ دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون) .
العنوان: التوحيد الذي جحده الكفار، وقوتلوا عليه، هو توحيد الألوهية.
فالكفار جحدوا توحيد الألوهية، وقاتلهم الرسول على هذا الجحد.
قوله (مقرون بهذا) هذا يعود على توحيد الربوبية: أي أنهم مقرون بتوحيد الربوبية، لكنهم يفعلون الشركيات، ويشرعون القوانين، ويذبحون لغير اللَّه، ويطيعون رؤساءهم في الشرك، ويصرفون شيئًا من أنواع العبادات لغير اللَّه. وقول المصنف: (فإذا تحققت أنهم مقرون) من أين جاء هذا التحقق؟ جاء من الأدلة التي ذكرها المؤلف، فذكر أدلة سبقت توجب التحقق، ويكفي دليل واحد ومع ذلك ذكر عدة أدلة.
قوله (ولم يدخلهم في التوحيد) "أل": للخصوص ويقصد به: توحيد الألوهية.
فاعتقادهم في الربوبية لم يدخلهم في الألوهية الذي دعاهم إليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهذا وصف للتوحيد، أي الألوهية.
قوله (يدخلهم) الضمير لتوحيد الربوبية.
الشاهد: قول المصنف: (وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه، هو توحيد العبادة) ويسمى توحيد الألوهية، ويسمى أيضًا توحيد اللَّه بأفعال العباد، وهو مترادف والمعنى واحد
لكن باعتبار إضافته لله يسمى توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته للعبد يسمى توحيد العبادة أو توحيد الإرادة والقصد والطلب، أو توحيد الإخلاص،
قوله (الذي يسميه المشركون) .
المشركون:"أل": للعهد الحضوري، والمشركون هم الذين في زمن المصنف.
وهو حكم من المصنف على من قال: لا إله إلا اللَّه في عهده ولكنه يعبد غير اللَّه، فهو مشرك، والضمير يعود على توحيد الألوهية لأنه هو الذي جحدوه، وماذا سماه مشركي زمان المصنف؟ سموه الاعتقاد، وأحيانا يسمونه توسلا أو نداءا أو التجاء أو جاها ,
وماذا يسميه مشركي زماننا؟ يسمونه حرية أو محاكم مدنية أو تجارية أو نظام أو لوائح أو ولي الأمر أو حكام أو تنظيم إداري مع أنه يخالف الشرع، أو نظام عالمي جديد، أو اتفاقيات دولية أو عولمة أو حضارة أو منظرين، وعادات وتقاليد وسلوم وأعراف الخ
مسألة: هناك ثلاث معبودات للمشركين:
المعبود الأول:
قوله (منهم من يدعو الملائكة) ممن أقر بالربوبية من المشركين، 2 ـ يدعو رجلا صالحا مثل اللات، 3 ـ نبيا مثل عيسى،
(1) الجن: 18.
(2) الرعد: 14.