فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 134

قوله: (يدعو) : تأتي بمعنى العبادة وتأتي بمعنى الطلب، لكنها هنا بمعنى الطلب فإمَّا أن يقول: يا ملائكة اللَّه اشفعوا لي عند اللَّه، أو يقول: يا ملائكة أنت قريبة من اللَّه، فادع اللَّه أن يرزقني ولدًا، أو ادع اللَّه أن يرزقني تجارة، وهذا يسمى دعاء لأنه مسبوق بياء النداء، وأحيانًا يدعو الملائكة يريد التقرب.

ويدعو الملائكة لسببين:

1 -لأجل صلاحهم وقربهم من اللَّه ومن ثَم فكل من فيه وصف الصلاح يجعله له واسطة، فيدعو عبد القادر لأنه من الصالحين، ويدعو زينب لأنها من الصالحات، ويدعو الحسين لأنه من الصالحين، ودائمًا هو يختار الصالحين فيدعوهم، كي يكونوا واسطة له عند اللَّه.

2 -ليشفعوا له عند اللَّه. وهذه العلة موجودة في كل من يُعبد من دون اللَّه من الصالحين قوله (ليشفعوا) "اللام": للتعليل، لام كي. يشفعوا: يكونوا وسطاء عند اللَّه

المعبود الثاني: قوله (يدعو رجُلًا صالحًا مثل اللات) : وهذا صنف آخر منهم، فهم طوائف بحسب آلهتهم.

المعبود الثالث: قوله (أو نبيًا مثل عيسى) :

وهذه أمثلة على المعبودات، ولم يُرد المؤلف الاستيعاب، وإنَّما أراد أن يُبين أنهم مشركون في باب الألوهية، وبيّن المصنف في هذا المقطع، أن التوحيد الذي جحده الكفار هو توحيد الألوهية، وإقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام. ومعبودات مشركي زماننا اليوم: الأنظمة والحكام والمناصب والدول .... الخ،

مسألة: لماذا أورد المصنف هذه القضية؟ وهي أن الكفار مُقِرون بالربوبية دون الألوهية؟

لكي يرد على شُبه كانت قائمة في زمانه، وحتى في زماننا، ومضمون هذه الشبهة أن الكفار في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولا الألوهية جميعًا، وهذا الكلام تزعمه بعض خصوم الشيخ المعاصرين له، واستدلوا بآيات منها:

1 -قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} [1] ، والشاهد أن الكفار أنكروا وكفروا بالرحمن.

2 -قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} [2] .

قالوا إن الكفار يكفرون بربوبيتة من أنه الخالق الرازق ونحوه،

3 -وقوله: {وهم يجادلون في اللَّه وهو شديد المحال} [3] ، وموضوع المجادلة هي الربوبية، ويجادلون أن اللَّه ليس ربًا خالصًا، وإنَّما معه أرباب.

4 -وقوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا} [4] ، قالوا: وهم اتخذوا أربابًا، والرب هو الخالق. وهذه الآية تدل على أن قريشًا كفروا في الربوبية.

5 -وقوله: {فلا تجعلوا لله أندادًا} [5] قالوا: لأنهم اتخذوا أندادًا من دون اللَّه.

وخلاصة شبهتهم: أن الكفار في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كانوا كفارًا بالربوبية.

الرد عليهم:

1 -قوله: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} .

الكفر هنا كفر بالاسم لا بالمسمى، كما جاء عند البخاري في حديث صلح الحديبية،"لما جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكتب بينه وبين قريش كتابًا، كتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال سهيل وما الرحمن؟ إنّا لا نعرف الرحمن، لكن اكتب بسمك اللَّهم" [6] ، فاختاروا اسم اللَّه على اسم الرحمن فقط. فهؤلاء الكفار كفروا بالاسم لا بالمسمى. وأكبر دليل على هذا التلبية، حيث يقولون:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك"، فيدل هذا على أنهم مقرون في الربوبية، منكرون الألوهية،

2 -قوله: {وهم يجادلون في اللَّه وهو شديد المحال} .

(1) الفرقان: 60.

(2) الرعد: 30.

(3) الرعد: 13.

(4) آل عمران: 80.

(5) البقرة: 22.

(6) أخرجه البخاري في كتاب الشروط (2529) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت