المقطع الخامس:
قال المصنف(والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها. والكفار الجهال يعلمون: أن مراد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة هو: إفراد اللَّه تعالى بالتعلق، والكفر بما يُعْبد من دون اللَّه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: قولوا لا إله إلا اللَّه قالوا: {أَجَعَل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب} [1] .
فإذا عرفت: أن جهّال الكفّار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدّعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهّال الكفّار. بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني.
والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا اللَّه، ولا يدبر الأمر إلا اللَّه، فلا خير في رجل جهّال الكفّار أعلم منه بمعنى لا إله إلا اللَّه) .
العنوان: اختلاف الناس في معنى الألوهية،
وذكر المصنف أصنافًا:
الصنف الأول: من يعرف هذه الكلمة، لكن لا يعمل بها ولا يفرده بالعبادة، وهؤلاء هم المشركون، فهم يعرفون المعنى تامًا لكنهم يعاندون ويتأولون ويقلدون، ومعنى لا يعملون بها أي لا يفردونه بالعبادة.
ويُرد عليهم أن يقال: لو كانت المعرفة تكفي وأن العلم بمعناها كافٍ، لما قاتلهم الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على عدم العمل وعلى الشرك.
الصنف الثاني: من يعتقد أن معنى الألوهية هو قول لا إله إلا اللَّه فقط، فعندهم المسلم والموحد هو من قال: لا إله إلا اللَّه، بغض النظر عن اعتقاده وعن عمله.
وهذا الاعتقاد هو نفس اعتقاد الكُرَّاميّة يقولون يكفي في الإسلام والإيمان الكلمة، نطقها باللسان، واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم:"من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" [2] ، والأدلة التي تذكر أنه يكفي لدخول الجنة قول لا إله إلا اللَّه.
ويُرد عليهم أنه لو كان يكفي قول لا إله إلا اللَّه ويُعتبر من قالها بلسانه فقط موحدًا للزم من ذلك أن يكون المنافق موحدًا، لأن المنافق يقول: لا إله إلا اللَّه بلسانه ومع ذلك كفّر اللَّه المنافقين في قوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [3] .
الصنف الثالث: أوسع الأصناف وأكثرهم وهو: من يرى أن معنى الألوهية هو معنى الربوبية ولا فرق بينهما، وأن معنى لا إله إلا اللَّه أنه لا يخلق ولا يرزق إلا اللَّه، وهم الذين أشار إليهم المصنف بقوله: (والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا اللَّه ولا يدبر الأمر إلا اللَّه ... ) الخ، وهذا يشمل الأشاعرة والجهمية والرافضة والباطنية والقبورية والصوفية.
ويُرد عليهم بأن هناك فرق بين الألوهية والربوبية، وممَّا يدل على الفرق بينهم:
1 -أن مشركي العرب مقرون بالربوبية ولم يقروا بالألوهية، فلو كان معناهما واحد لكان إقرارهم بالربوبية هو إقرارهم بالألوهية.
2 -قوله تعالى: {قل أعوذ برب الناس • ملك الناس • إله الناس} [4] ، هنا فرّق بين كلمة رب وإله، ولو كان معناهما واحدًا لكان هذا تكرار.
3 -إجماع أهل اللغة على أنه هناك فرق بين معنى الرب ومعنى الإله.
4 -إجماع أهل التفسير أيضًا على ذلك.
مسألة: المصنف في المقطع السابق وصف الكفار بأنهم جهال، فقد يقول قائل: إذن هم جهال يعذرون بالجهل، وأيضًا المصنف قال: إن الكفار يعلمون معناها.
فكيف مرة وصفهم بالجهل، ومرة قال: يعلمون والعالم ليس يجهل؟
الجواب: إن وصفهم بالجهل ليس عدم المعرفة لأنهم يعرفون معنى الإله لغة، إنَّما الجهل لعدم العمل، وباعتبار الشرع، والذي يعرف ولا يعمل يسوغ وصفه بأنه جاهل
(1) ص: 5.
(2) رواه الترمذي في الإيمان (2562) .
(3) النساء: 145.
(4) سورة الناس: 1 - 3.