المقطع السادس:
قال المصنف(إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك باللَّه الذي قال اللَّه فيه {إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [1] ، وعرفت دين اللَّه الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل اللَّه من أحد دينا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين:
الأولى: الفرح بفضل اللَّه ورحمته، كما قال تعالى: {قل بفضل اللَّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [2] .
وأفادك - أيضًا: الخوف العظيم) .
العنوان: الفرح بمعرفة التوحيد وضده معرفة صحيحة:
قوله: (إذا عرفت ما ذكرت لك) أي من معنى الألوهية وما وضحته لك من المعنى الصحيح لمعنى الألوهية. قوله: (معرفة قلب) نسب المعرفة إلى القلب؛ لأنها هي المعرفة النافعة. والإضافة بتقدير من أي معرفة من القلب، معرفة القلب: وهو أن يوفق الإنسان لمعرفة المعنى الصحيح ثم العمل والامتثال، ويستفيد بذلك، ومعرفة القلب هي: العلم والتصديق، وأعمال القلب: من الانقياد والقبول والمحبة واليقين والإخلاص والصدق والبغض للكفار ومعاداتهم والكفر بالطاغوت.
أمَّا معرفة الذهن، فقد تنفع وقد لا تنفع، فاليهود يعرفون اللَّه في أذهانهم ولم ينفعهم ذلك. ومشركي العرب يعرفون ذلك معرفة ذهن وتصور،
ولذلك إذا عرفت معنى لا إله إلا اللَّه معرفة صحيحة، سوف تفرح فرحًا عظيمًا، وسبب الفرح:
1 -أنك عرفت الإسلام معرفة صحيحة وعرفت ضده وهو الشرك، فسبب لك فرحًا عظيمًا، إذ حصل لك العلم الصحيح، فما بالك إذا كان هذا العلم هو التوحيد، أعظم شيء، وهذا فضل من اللَّه يُفرَح به {قل بفضل اللَّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا} .
2 -أنك سلمت من الاعتقاد الباطل، الذي وقع فيه غيرك، والسلامة من الشر والباطل يُفرح به.
3 ـ أنك أصبحت من أهل السنة والجماعة ومن أهل التوحيد ولم تكن من أهل الشرك وعباد القبور،
والمصنف رحمه اللَّه أراد من هذا المقطع أن يبين أن الجمع بين معرفة التوحيد وضده هو النافع، فمن الناس من يعرف التوحيد ولا يعرف الشرك، أو يعرف الشرك ولا يعرف التوحيد أو يعرف التوحيد ولا يعمل به، لكن الفرح والخير فيمن عرفهما جميعًا، فعرف التوحيد ومعناه وحدوده وعمل به، وعرف الشرك ومعناه وحدوده وتركه.
مسألة: المصنف ذكر آية {إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ... } الآية، لبيان أن الشرك أمره عظيم وخطير إذ أن مرتكبه لا يغفر له، فهل المغفرة ممنوعة في الشرك الأكبر فقط أم حتى الشرك الأصغر لا يغفر؟
قبل ذلك نتعرض لبعض مفردات الآية: لا: نافية، نفت المغفرة. لا يغفر: لا يتجاوز ولا يستر. أن يُشرك: أفاد أن الشرك الأكبر إذا مات عليه الإنسان لا يدخل في الجنة ولا يغفر اللَّه له، وهذا بالإجماع.
مسألة: الشرك الأصغر إذا مات عليه الإنسان من غير توبة هل هو تحت المشيئة كالكبائر إن شاء اللَّه عذبه وإن شاء غفر له أم أنه لا يدخل تحت المشيئة بل لا يغفره اللَّه؟
(1) النساء: 48.
(2) يونس: 58.