قبل ذكر ذلك نحب أن ننوّه أن مسألة الطلب من الموتى حدثت من قبل الرافضة وبعد القرون المفضلة، ولذا قال ابن تيمية: وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانًا ومساجد وأعيادًا هؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف، ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه، بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة [1] .
وقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن:"إن الاعتقاد في الأموات إنما حدث بعد موت الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين" [2] .
إذا علم ذلك فإنا نجد أغلب فتاوى العلماء في ذلك فيما بعد عصر الإمام أحمد، فقد تكلم عن ذلك ابن عقيل الحنبلي وكفر من جعل أوضاعًا مثل طلب الحوائج من الموتى ومسألة الرقاع [3] .
ومن فتاوى العلماء:
أولًا ابن تيمية:
فهو أكثر من اهتم بهذا الموضوع وله مؤلفات في ذلك وردود كما في الفتاوى والوسيلة والتوسل والرد على الأخنائي والبكري وقاعدة في الواسطة. واهتمينا بذكر ابن تيمية لأنَّ هناك من ينسب للشيخ ابن تيمية أنه يرى أن طلب الدعاء من الأموات عند قبورهم كقول يا ولي اللَّه ادع اللَّه لي ونحوها أنه من البدع فقط أي ليست من البدع الكبرى المكفرة إنما هي بدعة ووسيلة إلى الشرك وليست شركًا، والحقيقة أن ابن تيمية له كلام في الفتاوى [4] وفي قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة وفي الأجوبة السبعة قد يفهم منه أنه يرى ذلك بدعة وليس شركًا، لكن كلامه هذا له تفسير:
والجواب على ذلك في النقاط التالية:
1 -أنه قد يُسمى الشيء بدعة ولا يعني أنه ليس شركًا أكبر؛ لأن الشرك الأكبر بدعة يدخل في مسماها، ولذا قال في الفتاوى 1/ 158: ذَكَرَ طلب الدعاء من الأموات وسماه بدعة وسماه أيضًا شركًا، فقال:"والمشركون من هؤلاء قد يقولون إنّا نستشفع بهم، أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا، ثم ذكر مسألة التماثيل ثم قال: وقد يخاطبون - أي المشركون الذين سماهم في أول النقل - الميت عند قبره سل لي ربك أو يخاطبون الحي وهو غائب، وذكر مثالًا لذلك مثل: أنا في حسبك واشفع لي إلى اللَّه وسل اللَّه لنا أن ينصرنا، ثم ذكر أنهم يستدلون بآية {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ... } الآية [5] ، إلى أن قال:"فهذه الأنواع في خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم -وقد نقلت في أول النقل كلامهم عند القبور - وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم وهو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به اللَّه". اهـ. فانظر سماه شركًا أكبر وسماه بدعة."
2 -قال في الفتاوى 1/ 351 بعدما ذكر مراتب الدعاء قال:"الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع اللَّه لي أو ادع لنا ربك أو اسأل لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا أيضًا لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع". اهـ.
فانظر سماه بدعة مع أنه جعله مثل قول النصارى لمريم الذي يعتبر شركًا أكبر.
(1) الرد على الأخنائي ص66، الجواب الباهر ص57 نقلًا عن الدعاء ومنزلته في العقيدة 2/ 562.
(2) مدارج السالكين 1/ 346.
(3) زاد المعاد 1/ 527.
(4) انظر: إغاثة اللهفان .. فصل: اتخاذ القبور أعيادًا، ص159، ط. دار الفكر.
(5) النساء: 64.