ولذا يجب أن يفهم كلام ابن تيمية متكاملًا والأخذ بكلامه في جميع المواضع يوضح لك أنه يكفر بالوسائط التي منها طلب الدعاء من الأموات، ولذا قال ابن سحمان في الصواعق المرسلة [1] بعدما نقل كلام ابن تيمية وهما النقلان اللذان نقلنا في 1/ 123، 126، قال بعدها بعدما رد على من يبيح السؤال على سبيل التوسط قال:"والشيخ (أي ابن تيمية) رحمه اللَّه في جميع كلامه (هذا الشاهد) جزم بأن فاعل ذلك (أي بالوسائط) كافر مشرك"
ثم يقال أيضًا: لماذا يؤخذ كلام ابن تيمية في موضع واحد وفيه إجمال ويترك كلامه الصريح الواضح في كتبه الأخرى اهـ.
هذا فيما يتعلق بما قاله ابن تيمية وننتقل الآن إلى نقولات أخرى في هذا الباب للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في كتابه مصباح الظلام حيث تكلم عن هذه المسألة وهي مسألة طلب الدعاء من الأموات وعدها من الشرك الأكبر وأنها لا تختلف عن طلب الشفاعة بل هي جزء منها إذ أن طلب الدعاء من الميت في الحقيقة طلب أن يشفع لك ويتوسط لك عند اللَّه في أمر من الأمور التي تريدها سواء أكانت في الدنيا أم الآخرة دينية أم دنيوية، والنقول كالتالي:
أ - قال في ص251 في رده على من قال: يجوز طلب الشفاعة من الرسول وغيره قال:"وحاصل كلام هذا الرجل تقريره أن الطلب من الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أو غيره ممن له شفاعة أو قرب أو جاه يسوغ ولا يكره ولا يحرم لأنه ليس بشرك بل هو من جنس سؤال الأحياء من الآدميين ما يستطيعونه من الأسباب العادية، وهذا هو المقصود إلى أن قال:"ومن قال بأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد موته أولى بالمسألة والطلب منه في حال حياته الدنيوية وأن ما جاز طلبه في الحياة يطلب من بعد الممات، فقد فتح باب الشرك والتنديد وصرف عن توحيد اللَّه العزيز الحميد لأن هذا هو قول الصابئة المشركين ومذهب الجاهلية الأميين اهـ.
فانظر كيف جعل الطلب من الرسول بعد الموت ما يجوز طلبه في الحياة وهو الدعاء أنه من الشرك الأكبر.
ب - ونقل في ص258: أن قول القائل يا فلان (الميت) ادع اللَّه لي بالهداية مثل قوله يا فلان (الميت) اهدني في الحكم، لأنك في كلا الصورتين سألت فلان الميت ما لا يملك ولا يقدر عليه، والقاعدة:"أن من سأل الأموات ما لا يقدرون ومالا يملكون فقد أشرك شركًا أكبر"؛ لأنك سألتهم ما يملكه اللَّه وهم لا يملكونه، فقال:"أما تخصيص المعترض هداية القلوب وشفاء المريض وإنبات النبات وطلب الذرية ونحو ذلك بالمنع فهذا من جهله فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته كما في الحديث:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله" [2] ، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيع في حياته كهداية القلوب وشفاء المريض وإنبات النبات وطلب الذرية فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه أعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهد قلبي واغفر ذنبي، وقد تقدم أن قول يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله، شرك بإجماع المسلمين ولو طلب منها في حياتها أن تشفع بالدعاء والاستغفار كما كان يفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- مع أصحابه لم يمنع ذلك"اهـ. فانظر إلى حكاية الإجماع فإنها مهمة.
وانظر أول الكلام ثم انظر قوله:"تشفع بالدعاء"فجعل طلب الدعاء يدخل في مسمى طلب الشفاعة.
(1) الصواعق المرسلة لابن سحمان ص148.
(2) رواه الترمذي في كتاب الأحكام (ح1297) ، ورواه أيضًا النسائي في كتاب الوصايا (ح3591) .