ثم أيضًا ابن تيمية له كلام في الشفاعة وأنه يكفر بها نقله عنه محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد في آخر باب الشفاعة، قال ابن تيمية:"نفى اللَّه عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله ولم يبقى إلاّ الشفاعة فبين أنها لانتفع إلاّ لمن أذن له الرب كما قال: {ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى} [1] ، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة ..."اهـ.
فانظر إلى نفيه لطلب الشفاعة وتسميته أن المتعلق بها (المشركون) والتي يظنها المشركون.
فظهر من ذلك أن قوله (أي قول ابن تيمية) أنها بدعة لا يلزم أنه ليس بدعة مكفرة، بل إنه بدعة مكفرة، كما ذكر ذلك في مواضع سبقت نقلناها.
ولا سيما وأن ابن تيمية نقل الإجماع على أن جعل الوسائط شرك أكبر، فكون الشخص يفسر كلام ابن تيمية بعضه ببعض هذا أولى من اقتطاع بعض كلامه دون بعض، ومثله جعل كلامه يخالف الإجماع، كل ذلك لا يليق وليس من إحسان الظن بهذا الإمام العلامة الجليل ابن تيمية.
ثانيًا: ابن القيم:
وله كلام كثير في ذلك ذكره في إغاثة اللهفان ومدارج السالكين .. قال رحمه اللَّه [2] :
"ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى اللَّه فيها"اهـ. والشاهد ما تحته خط.
وقال أيضًا رحمه اللَّه تعالى [3] :"فأبى المشركون إلاّ دعاء الميت، والإشراك به والإقسام على اللَّه به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه"اهـ. والشاهد قوله"التوجه إليه"وهي التشفع والتوسل وسماهم مشركين في أول كلامه.
وقال أيضًا رحمه اللَّه [4] :
"فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به"اهـ. فسماهم مشركين بالدعاء به وهي مسألة الواسطة.
وقال أيضًا رحمه اللَّه تعالى [5] :"فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به"اهـ. فسماهم مبتدعة ومشركين بالاستشفاع به.
ثالثًا: أما أئمة الدعوة:
فهذا بالإجماع، يرون أن طلب الدعاء من الأموات من الشرك الأكبر.
مسالة: قد يقول قائل: إن طلب الدعاء من الأموات هو طلب فقط وليس دعاء:
نقول: التسمية وتغييرها مع وجود حقيقة الدعاء لا يغير من الأمر شيئًا، والطلب دعاء، فإن الطلب و الدعاء أو النداء من العبادة.
رابعًا: مناقشات وتناقضات:
ثم نوجه أسئلة لمن طلب الدعاء من الأموات عند قبورهم، حيث جعله إما بدعة فقط وليس شركًا أو جعله شركًا أصغر فقط .. نوجه له عدة أسئلة:
السؤال الأول: ما الحكم لو أن رجلًا ذبح لصاحب القبر ولم يتكلم بأي كلمة، إنما ذبح له فقط عند قبره، ويريد بهذا الذبح في قرارة نفسه أن يتوسط له المقبور عند اللَّه. ما الحكم؟
يقولون هو شرك أكبر لأنه ذبح لغير اللَّه. قلنا: ما الفرق بين الذبح والطلب أو الدعاء كلاهما عبادة صرفت لغير اللَّه، فبدل أن يذبح له لكي يشفع له نادى ودعاه ليشفع له.
السؤال الثاني: ما هو شرك المشركين؟ أليس منه أنهم يطلبون التوسط من الأصنام والأوثان، وينادونها لتشفع وتتوسط لهم عند اللَّه، كما قال تعالى: {هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه} [6] ، فما الفرق؟
(1) الأنبياء: 28.
(2) مدارج السالكين 1/ 346.
(3) زاد المعاد 1/ 527.
(4) انظر: إغاثة اللهفان، فصل: اتخاذ القبور أعيادًا، ص159، ط. دار الفكر.
(5) نفس المصدر السابق ص162.
(6) يونس: 18.