فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 134

فإن قالوا: هذه أصنام وأوثان. قلنا: والقبر إذا عبد أصبح وثنا، كما قال عليه الصلاة والسلام:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" [1] .

السؤال الثالث: أليس من شرك النصارى أنهم يأتون إلى تماثيل مريم وعيسى، ويقولون: يا مريم اشفعي لنا عند الإله .. كما ذكر ذلك ابن تيمية وغيره عنهم، أليس من جاء إلى قبر وقال: يا فلان إني أريد السفر فادع اللَّه لي بالسلامه .. أليس مثل قول النصارى؟

فإن قال لا، هؤلاء نصارى كفار أصليون .. قلنا لا فرق فمن عمل الكفر الذي عمله الكفار الأصليون أصبح حكمه حكمهم، قال عليه الصلاة والسلام:"من تشبه بقوم فهو منهم" [2] .

السؤال الرابع: يقال إذا كان طلب الدعاء من الأموات عند قبورهم بدعة وليس شركًا .. فما الحكم لو طلب الدعاء من الملائكة الحفظة الملازمين له، وقال: يا ملائكة اشفعي لي عند اللَّه، أو ادعي اللَّه لي؟ فإن قال: بدعة وليست شركا خالف القرآن في قوله: {ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} [3] ، وقوله: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا .. } [4] ، وكان عبادتهم للملائكة أنهم يدعونها لتشفع لهم عند اللَّه، ومخالف لقوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [5] ، فإنها نزلت في معبودين منهم الملائكة بالشفاعة، فكيف يسميه اللَّه: عبادة لهم .. وشركًا، ونقول: إنه بدعة فقط لا عبادة لهم ولا شركًا. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن [6] :"لو جاز التعلق بالأموات لجاز أن يستظهر العبد بالحفظة من الملائكة الذين هم لا يفارقونه بيقين، وهذا لا يقوله مسلم أصلًا، بل لو فعله أحد لكان مشركًا باللَّه، فإذا لم يجز ذلك في حق الملائكة الحاضرين فإنه لا يجوز في حق أرواح أموات قد فارقت أجسادها .."اهـ.

السؤال الخامس: ثم نقول أيضًا مثل ما سبق: ما الحكم لو دعا الجن وطلب منهم وقال: يا جن اشفعوا لي عند اللَّه ... فإن بعض العرب كخزاعة كانت تعبد الجن، كما ذكر ذلك عنهم الشنقيطي [7] ، ومعلوم بالضرورة أن العرب ما كانت تعتقد فيمن تدعوه أنه خالق رازق، إنما دعائهم للجن والملائكة من أجل الشفاعة. فإن قال قائل: كلامك كله عن الشفاعة، وطلب الشفاعة من الأموات نقر أنه كفر، لوقوع الإجماع عليه كما نقله ابن تيمية، فيكون خاصًا بطلب الشفاعة من الأموات فقط، أن يشفعوا له عند اللَّه في الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار.

قلنا: لا فرق لأنَّ لفظ الشفاعة اسم عام يشمل طلب التوسط بأي خير لك تطلبه، سواء أكان في الدنيا أم تريده في الآخرة، سواء طلب ديني تطلب منه أن يتوسط لك في الهداية أو التوفيق أو أمر دنيوي من المال أو الرزق .. لا فرق، والشفاعة كما يعرفها العلماء يقولون: طلب الخير للغير. ولم يخصصوه بلفظ معين، ولم يخصصوه بطلب الخير في الآخرة فقط، كما قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} [8] . بل من أكبر ما يوضح ذلك أن الكفار كانوا يطلبون من آلهتهم التوسط في أمور الدنيا لا الآخرة، لأنَّ الغالب عليهم عدم الإيمان بالآخرة والجنة والنار، فكل طلباتهم أن يتوسطوا لهم عند اللَّه في الرزق في الدنيا والمطر والسلامة من الأمراض والمصائب الدنيوية.

(1) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين (ح7054) ، ورواه أيضًا مالك في الموطأ في كتاب النداء للصلاة (ح3761) .

(2) أخرجه أبو داود في اللباس (ح3512) ، ورواه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة (4868) ، و (ح4869) ، و (ح5409) .

(3) سبأ: 40.

(4) النجم: 26.

(5) الإسراء: 57.

(6) مجموع الرسائل والمسائل 4/ 385، 387.

(7) تفسير سورة الإسراء ص599.

(8) النساء: 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت