إن هذه المؤاخاة كانت الركيزة الأساسية في تكوين مفهوم اجتماع الأمة وقد كانت تدريبًا عمليًا على الأخوة الإسلامية.
من المعلوم أن العهد المدني قد ابتدأ بالهجرة إلى الله بالدين، ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم قيام الدولة المسلمة، ثم الجهاد في سبيل الله.
-هناك ثلاثة أمور هامة في سمات الولاء والبراء في العهد المدني:
أولًا: كيد أهل الكتاب للإسلام وتحذير المسلمين من موالاتهم: من المعلوم عند كل منصف أن اليهود أمة حاقدة في طبعها خائنة للعهود والمواثيق، ولما قامت الدولة المسلمة في المدينة النبوية لم يهدأ لليهود بال فكانوا يكيدون للإسلام وأهله وولدوا النفاق وخانوا العهود وولوا المشركين وآذوا رسول الله، فجاء تحذير القرآن من إتباعهم هم والنصارى وبيَّن أنهم لا يرضون - أهل الكتاب - إلا بإتباع ملتهم ودينهم.
ثانيًا: النفاق والمنافقون: إن العهد المكي كان يحوي صنفين من الناس: المسلمون، والكفار ولم يكن هناك منافقون لأن النفاق - أعني إظهار الإسلام وإبطان الكفر - دين لا يظهر إلا حين تكون الغلبة لأهل الإسلام ليحفظوا بذلك أموالهم ودمائهم وهم أشر على الإسلام وأهله من الكفار وهم في الدرك الأسفل من النار. ولتمييز الصادق من الكاذب لابد من الابتلاء.
-ومن أبرز صفات المنافقين في كيدهم للدعوة الإسلامية: مظاهرة اليهود والنصارى على المسلمين، ومن صفاتهم رفض التحاكم إلى شريعة الله وتحاكمهم إلى الطواغيت التي تحقق رغباتهم، ومنها تخذيل المسلمين ومحاولة تفريقهم وبلبلة صفهم والتجسس للكفار.
ثالثًا: البراء والمفاصلة التامة في العهد المدني بين المسلمين وجميع أعدائهم: في هذا العهد أُذن للنبي صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله، ثم أُذن له بقتال المشركين كافة. فكان معه الكفار بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة وأهل حرب وأهل ذمة، فأهل العهد كانوا على أقسام فمنهم من نقض عهده فأُمر بقتالهم، وقسم لهم عهد مؤقت فأُمر أن يتم عهدهم إلى مدتهم وقسم لم يكن لهم عهد فأُمر أن يمهلهم أربعة أشهر. وأُمر بقتال الكفار حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في دين الإسلام وأمر بجهاد المنافقين والغلظة عليهم بالحجة واللسان.