فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 59

قال ابن تيمية: فصل: أول البدع ظهورا في الإسلام وأظهرها ذما في السنة والآثار بدعة الحرورية المارقة إن أولهم قال للنبي في وجهه اعدل يا محمد فإنك لم تعدل وأمر النبي بقتلهم وقتالهم وقاتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

والأحاديث عن النبي مستفيضة بوصفهم وذمهم والأمر بقتالهم قال أحمد بن حنبل صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه قال النبي صلى الله عليه وسلم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة.

ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمتهم:

أحدهما خروجهم عن السنة وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة أو ما ليس بحسنة حسنة وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي حيث قال له ذو الخويصرة التميمي اعدل فانك لم تعدل حتى قال له النبي (ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل) فقوله فانك لم تعدل جعل منه لفعل النبي سفها وترك عدل وقوله اعدل أمر له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح، وهذا الوصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة فقائلها لابد أن يثبت ما نفته السنة وينفى ما أثبتته السنة ويحسن ما قبحته السنة أو يقبح ما حسنت السنة وإلا لم يكن بدعة.

وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة.

والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته ولم يوجبوا طاعته ومتابعته وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن.

وغالب أهل الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه كما يحكى عن عمرو بن عبيد في حديث الصادق المصدوق وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة إما برد النقل وإما بتأويل المنقول فيطعنون تارة في الإسناد وتارة في المتن وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول بل ولا بحقيقة القرآن.

الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأن دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار الإيمان وكذلك يقول جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهمية وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم.

فهذا أصل البدع التي ثبت بنص سنة رسول الله وإجماع السلف أنها بدعة وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفرا.

فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم.

وهذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة فمن خالف السنة فيما أتت به أو شرعته فهو مبتدع خارج عن السنة ومن كفر المسلمين بما رآه ذنبا سواء كان دينا أو لم يكن دينا وعاملهم معاملة الكفار فهو مفارق للجماعة.

وعامة البدع والأهواء إنما تنشأ من هذين الأصلين أما الأول فشبه التأويل الفاسد أو القياس الفاسد أما حديث بلغه عن الرسول لا يكون صحيحا أو أثر الرسول قلده فيه ولم يكن ذلك القائل مصيبا أو تأويل تأوله من آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح أو ضعيف أو أثر مقبول أو مردود ولم يكن التأويل صحيحا وإما قياس فاسد أو رأي رآه اعتقده صوابا وهو خطأ، فالقياس والرأي والذوق هو عامة خطأ المتكلمة والمتصوفة وطائفة من المتفقهة، وتأويل النصوص الصحيحة أو الضعيفة عامة خطأ طوائف المتكلمة والمحدثة والمقلدة والمتصوفة والمتفقهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت