فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 59

قال ابن تيمية في الفتاوى 7/ 618 والمقصود أن على بن أبي طالب وغيره من أصحابه لم يحكموا بكفرهم ولا قاتلوهم حتى بدؤوهم بالقتال والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار وما من الأئمة إلا من حكى عنه في ذلك قولان كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وصار بعض أتباعهم يحكى هذا النزاع في جميع أهل البدع وفى تخليدهم حتى إلتزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه وفى هذا من الخطأ ما لا يحصى وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء وان كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.

والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق القول بتكفير القائل كما قال السلف من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن قال إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة واستحل الخمر والزنا وتأول فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر ففي غير ذلك أولى وأحرى.

وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح في الذي قال إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني في اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع.

قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 4/ 336 والطريقة الثانية أن قتال مانعي الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين وهو الذي يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو مذهب أهل المدينة كمالك وغيره ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع حتى في الأموال.

فإن منهم من أباح غنيمة أموال الخوارج وقد نص أحمد في رواية أبي طالب في حرورية كان لهم سهم في قرية فخرجوا يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون فأرضهم فيء للمسلمين فيقسم خمسه على خمسة وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ووقفه على المسلمين فجعل أحمد الأرض التي للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار.

وبالجملة فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا وسيرة علي رضي الله عنه تفرق بين هذا وهذا فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح بذلك ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر وقال في أهل الجمل وغيرهم إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف وصلى على قتلى الطائفتين.

قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/ 209 وإذا جاهدوهم فكما جاهد علي رضي الله عنه الحرورية بعد الإعذار وإقامة الحجة وعامة ما كانوا يستعملون معهم الهجران والمنع من الأمور التي تظهر بسببها بدعتهم مثل ترك مخاطبتهم ومجالستهم لأن هذا هو الطريق إلى خمود بدعتهم وإذا عجزوا عنهم لم ينافقوهم بل يصبرون على الحق الذي بعث الله به نبيه كما كان سلف المؤمنين يفعلون وكما أمره الله في كتابه حيث أمرهم بالصبر على الحق وأمرهم بأن لا يحملهم شنآن قوم على أن لا يعدلوا.

قال ابن سحمان في كشف الأوهام: ومن لا تخرجه بدعته من الإسلام كالخوارج ونحوهم فهؤلاء لا يكفرون لأن أصل الإيمان الثابت لا يحكم بزواله إلا بحصول مناف لحقيقته مناقض لأصله والعمدة استصحاب الأصل وجودا وعدما، لكنهم يبدعون ويضللون ويجب هجرهم وتضليلهم والتحذير عن مجالستهم ومجامعتهم كما هو طريقة السلف في هذا الصنف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت