فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 59

وقال القاضي عياض في كتابه الشفاء في آخر الكتاب في فصل بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر قال:

أ ـ فأما من نفى صفة من صفات الله الذاتية أو جحدها مستبصرا في ذلك (أي معاندا) كقوله ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفي عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من قال ليس لله كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه.

قال ابن تيمية في الفتاوى 7/ 617 فإن كثيرا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة فلا يرث ولا يورث ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع.

وليس الأمر كذلك فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف مؤمن وكافر مظهر للكفر ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه كابن أبى وأمثاله ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.

ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب رضي الله عنه واعتزلوا جماعة المسلمين قال لهم إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم قاتلهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن أبي العز رحمه الله في شارح الطحاوية 1/ 357: قال في أقوال أهل البدع: ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل إنه كفر، والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك (أي التكفير) إلا إذا صار منافقا زنديقا فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا، وكتاب الله يبين ذلك فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف:

صنف كفار من المشركين ومن أهل الكتاب وهم الذين لا يقرون بالشهادتين وصنف المؤمنون باطنا وظاهرا. وصنف أقروا به ظاهرا لا باطنا.

وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين فإنه لا يكون إلا زنديقا، والزنديق هو المنافق، وهنا يظهر غلط الطرفين فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع الباطن يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أسلم مولى عمر رضي الله عنه عن عمر أن رجلا كان على عهد النبي كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله وكان رسول الله قد جلده في الشراب فأتى به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله (لا تلعنه فوالله ما علمت إلا إنه يحب الله ورسوله) .

وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج، ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة بل بفرع منها، ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء طوائف من السلف المشاهير فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت