اختلف أهل العلم في طريقة معاملة أهل التأويل:
ولخص ذلك الجصاص في أحكام القرآن في الكلام على آية (ولتكم منكم أمة يدعون إلى الخير) الآية.
وذكر الأصل في سائر المتأول من أهل المذاهب الفاسدة:
أ ـ أنهم ما لم يخرجوا داعين إلى مذاهبهم لم يقاتلوا وأقروا على ما هم عليه ما لم يكن ذلك المذهب كفرا، فإنه غير جائز إقرار أحد من الكفار على كفره إلا بجزية وليس يجوز إقرار من كفر بالتأويل على الجزية لأنه بمنزلة المرتد لإعطائه جملة التوحيد والإيمان بالرسول، فمتى نقض ذلك بالتفصيل صار مرتدا.
ب ـ ومن الناس من يجعلهم بمنزلة أهل الكتاب، كذلك كان يقول أبو الحسن فتجوز عنده مناكحتهم ولا يجوز للمسلمين أن يزوجوهم، وتؤكل ذبائحهم لأنهم منتحلون بحكم القرآن وإن لم يكونوا مستمسكين به كما أن من انتحل النصرانية أو اليهودية فحكمه حكمهم وإن لم يكن مستمسكا بسائر شرائعهم وقال تعالى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) .
وقال محمد في الزيادات لو أن رجلا دخل في بعض الأهواء التي يكفر أهلها كان في وصاياه بمنزلة المسلمين يجوز منها ما يجوز من وصايا المسلمين ويبطل منها ما يبطل من وصاياهم وهذا يدل على موافقة المذهب الذي يذهب إليه أبو الحسن في بعض الوجوه.
قال البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، في المتأولة الذين لم يخرجهم عن الإسلام، فقال: وان كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة الإمامية أو الزيدية أو من بدع النجارية أو الجهمية أو الضرارية أو المجسمة فهو من الأمة في بعض الأحكام:
وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين وفى ألا يمنع حظه من الفيء والغنيمة إن غزا مع المسلمين وفي ألا يمنع من الصلاة في المساجد وليس من الأمة في أحكام سواها وذلك ألا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامرأة سنية ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم.
وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج علينا ثلاث لا نبدؤكم بقتال ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا والله أعلم.)
ج ـ ومن الناس من يجعلهم بمنزلة المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأقروا على نفاقهم مع علم الله تعالى بكفرهم ونفاقهم.
قال ابن تيمية في الفتاوى 7/ 617 فإن كثيرا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة فلا يرث ولا يورث ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف مؤمن وكافر مظهر للكفر ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر اهـ.
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/ 209 ولهذا كثيرا ما يكون أهل البدع مع القدرة يشبهون الكفار في استحلال قتل المؤمنين وتكفيرهم كما يفعله الخوارج والرافضة والمعتزلة والجهمية وفروعهم لكن فيهم من يقاتل بطائفة ممتنعة كالخوارج والزيدية ومنهم من يسعى في قتل المقدور عليه من مخالفيه إما بسلطانه وإما بحيلته ومع العجز يشبهون المنافقين يستعملون التقية والنفاق كحال المنافقين.
وذلك لأن البدع مشتقة من الكفر.
د ـ ومن الناس من يجعلهم كأهل الذمة ومن أبى ذلك، ففرق بينهما بأن المنافقين لو وقفنا على نفاقهم لم نقرهم عليه ولم نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.
وأهل الذمة إنما أقروا بالجزية وغير جائز أخذ الجزية من الكفار المتأولين المنتحلين للإسلام ولا يجوز أن يقروا بغير جزية فحكمهم في ذلك متى وقفنا على مذهب واحد منهم اعتقاد الكفر لم يجز إقراره عليه وأجري عليه أحكام المرتدين، ولا يقتصر في إجرائه حكم الكفار على إطلاق لفظ عسى أن يكون غلطه فيه دون الاعتقاد دون أن يبين عن ضميره فيعرب لنا عن اعتقاده بما يوجب تكفيره فحينئذ يجوز عليه أحكام المرتدين من الاستتابة فإن تاب وإلا قتل، والله أعلم اهـ بحروفه.
هـ ـ ومنهم من جعلهم كالبغاة: قال الشوكاني في نيل الأوطار في باب قتال الخوارج وأهل البغي: قال الغزالي في الوسيط تبعا لغيره في حكم الخوارج وجهان:
أحدهما أن حكمهم حكم أهل الردة.
والثاني أنه كحكم أهل البغي ورجح الرافعي الأول.
و ـ ومنهم من يجعلهم كالمسلمين: