وقال في الفتاوى الكبرى 4/ 599 إن قول أهل المدينة وأهل الحديث قتال من خرج عن الشريعة كالحرورية ونحوهم وأنه يجب اهـ.
قال ابن مفلح في الفروع 6/ 148 وفي شرح مسلم يجب قتال الخوارج والبغاة إجماعا، ثم قال القاضي أجمع العلماء أن الخوارج وشبههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأي الجماعة وجب قتالهم بعد الإنذار والإعذار قال تعالى (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) فإن استنظروه مدة ولم يخف مكيدة أنظرهم وإلا فلا ولو أعطوه مالا أو رهنا.
وقيل للقاضي يجوز قتال البغاة إذا لم يكن هناك إمام فقال نعم لأنه الإمام إنما أبيح له قتالهم لمنع البغي والظلم وهذا موجود بدون إمام اهـ.
قال ابن رجب في جامع العلوم: عند حديث ابن مسعود (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) .
فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بإحدى ثلاثة أنواع ترك الدين وإراقة الدم المحرم وانتهاك الفرج المحرم فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها.
وأما سفك الدم الحرام فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء كتفريق جماعة المسلمين وشق العصا والمبايعة لإمام ثان ودل الكفار على عورات المسلمين هذا هو محل النزاع وقد روي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا وكذلك شهر السلاح لطلب القتل هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا فابن الزبير وعائشة رأياه قائما مقام القتل الحقيقي في ذلك.
وكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة وقال الله عز وجل (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين.
أحدهما بالنفس.
والثاني بالفساد في الأرض.
ويدخل في الفساد في الأرض الحرب والردة والزنا فإن ذلك كله فساد في الأرض وكذلك يكون شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة وقد أجمع الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه على حده ثمانين وجعلوا السكر مظنة الافتراء والقذف الموجب لجلد الثمانين ولما قدم وفد عبدالقيس على النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه يعني إذا شرب فيضربه بالسيف وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل إقامة لمظان القتل مقام حقيقته لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق وهذا هو محل النزاع.
ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين وهو ذريعة ووسيلة إليه فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتال الخوارج وقتلهم وقد اختلف العلماء في حكمهم فمنهم من قال هم كفار فيكون قتلهم لكفرهم ومنهم من قال إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم لهم وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا وأجازوا الابتداء بقتالهم والإجهاز على جريحهم.
ومنهم من قال إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا وهو نص عن أحمد رحمه الله وإسحق وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتالنا وإنما يبيح قتالهم من سفك دماء ونحوه كما روي عن على رضي الله عنه وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا.
وقد روي من وجوه متعددة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كان يصلي وقال لو قتل لكان أول فتنة وآخرها وفي رواية لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال خرجه الإمام أحمد رحمه الله وغيره فاستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين ويحسم مادة الفتن.
وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بهذا التقدير ولله الحمد اهـ مختصرا.