قال ابن تيمية في فتاوى 28/ 403 بعد كلام إن سيرة أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه في قتال الحرورية المارقين الذين تواتر عن النبي الأمر بقتالهم ونعت حالهم من وجوه متعددة.
أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه من حديث على بن أبى طالب وأبى سعيد الخدرى وسهل بن حنيف وأبى ذر الغفارى ورافع بن عمرو وغيرهم من أصحاب النبي: قال فيهم (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يقرؤون القرآن يحسبون انه لهم وهو عليهم شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه) .
وأول ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين على رضى الله عنه وكان لهم من الصلاة والصيام والقراءة والعبادة والزهادة مالم يكن لعموم الصحابة لكن كانوا خارجين عن سنة رسول الله وعن جماعة المسلمين وقتلوا من المسلمين رجلا اسمه عبد الله بن خباب وأغاروا على دواب المسلمين.
إلى أن ذكر أن على بن أبى طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج مع أنه قتلهم جميعهم. اهـ بتصرف واقتصار على المراد.
وقال أيضا في وفتاوى 28/ 515 والطريقة الثانية أن قتال مانعي الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين وهو الذي يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو مذهب أهل المدينة كمالك وغيره ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره.
وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا موضع حتى في الأموال فإن منهم من أباح غنيمة أموال الخوارج وقد نص أحمد في رواية أبى طالب في حرورية كان لهم سهم في قرية فخرجوا يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون فأرضهم فيء للمسلمين فيقسم خمسة على خمسة وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم مثل ما أخذ عنوة ووقفه على المسلمين فجعل أحمد الأرض التي للخوراج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار.
وبالجملة فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا وسيرة على رضى الله عنه تفريق بين هذا وهذا فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله وفرح بذلك ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر وقال في أهل الجمل وغيرهم إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف وصلى على قتلى الطائفتين.
قال علي رضي الله عنه والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله قال فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب رئيسا فقل لهم القوا الرماح وسلوا سيوفكم من حقوتها فإني أناشدكم كما ناشدوكم يوم حروراء فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وسحرهم الناس برماحهم قال وأقبل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان.
فقال علي رضى الله عنه التمسوا فيهم المخدج فالتمسوه فلم يجدوه فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد أقبل بعضهم على بعض قال أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر ثم قال صدق الله وبلغ رسوله.
قال ابن تيمية: فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد وفى مذهب الشافعي أيضا نزاع في كفرهم.
ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى أحدهما أنهم بغاة والثاني أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم ابتداء وقتل أسيرهم وإتباع مدبرهم ومن قدر عليه منهم أستتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل كما أن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها على روايتين.
وهذا كله مما يبن أن قتال الصديق لمانعي الزكاة وقتال على للخوارج ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين فكلام علي رضى الله عنه وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين بل هم نوع ثالث وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم اهـ المقصود.