فهم في يأسٍ وقنوطٍ، إذ لا أمل عندهم في تعويضٍ من حرمان أو إنصافٍ من ظلم وطغيان، حتى المتقلبُ منهم على فراشِ العافية، الرافل في أثواب النعم يعيش حياةً مفعمةً بالهموم والمنغصات والخوف والقلق والحيرة؛ مخافة أن تسلب منه تلك النعم العارضة، وفي الحياة مواقف وابتلاءات لا يقوى الإنسان على مواجهتها إلا وفي قلبه يقينٌ وفي نفسه رجاءٌ بالآخرة، وتعلُّقٌ بثوابها، فيتسلى عن كل نقص وحرمان وتعبٍ ونصَبٍ بما ينتظره عند الله من حسن الثوابِ.
-عن أَنَسٍ - رضي الله عنه - قال خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ (اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ) . [1]
-وعَنْ سَهْلٍ - رضي الله عنه - قَالَ جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) [2] .
فدعها وسلِّ النفسَ عنها بجنَّةٍ ... من الحُسنِ في روضاتها الدر يبسم
ومن تحتِها الأنهار تخفق دائما ... وطير الأماني فوقها يترنم
وقد ذُللت منها القطوفُ فمن يُرد ... جَناها ينلْه كيف شاء وينعم
وقد فتحت أبوابها داعي الهدى ... هلموا إلى دار السعادة تغنموا
وقد طاب منها نُزْلُُها ومقيلها ... فطوبى لمن حلُّوا بها وتنعموا
وقد غرس الرحمنُ فيها غراسه ... من الناس والرحمن بالغرس أعلم
فمن كان من غرس الإله فإنه ... سعيدٌ وإلا فالشقا متحتم
فيا مسرعينَ السيرَ بالله ربكم ... قفوا بي على تلك الربوع وسلموا
وقولوا محب قاده الشوق نحوكم ... قضى نحبه فيكم تعيشوا وتسلموا [3]
-وقال أبو تمام:
والحادثاتُ وإنْ أصابك بُؤْسها ... فهو الذي أدْراك كيفَ نعيمُها:
وقال أيضا:
وليس يعرفُ طيبَ الوصل صاحبُه ... حتى يصابَ بنأيٍ أو بهِجران
(1) - رواه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير. باب: التحريض على القتال. حديث 3679، ورواه مسلم في الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق، رقم: 127 - (1805)
(2) - رواه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير: باب غزوة الأحزاب وهي الخندق. حديث 126 - (1804) .
(3) - طريق الهجرتين لابن القيم 1/ 93