فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 205

الأهواء الذين اتبعوا السبل فتفرقوا عن سبيل الله، ولكل منها نحلة، وهدف. فمنهم من غلا في حب أهل البيت، ومنهم من غلا ببغضهم، ومنهم من غلا في حب بني أمية، ومنهم من غلا في بغضهم، ومنهم من فُتن بالنَّيْل من بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ما وقع بينهم من فتن، وكأنهم يرون أن من شروط الصحبة: العصمة، فلا تقع من صحابي معصية، فضلًا عن أن يكون ذلك بتأويل، وغفل عن قول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ، فوصف كلا الطائفتين بالإيمان مع اقتتالهما. ومن أهل الأهواء من أفرط في مسائل الإيمان فكفّر أصحاب الكبائر، ومنهم من فرّط فقال: لا تضرّ مع الإيمان معصية، ومنهم من غلا في نفي القدر، ومنهم من غلا في إثباته، وسبيل أهل السنة وسط في ذلك كله، بين الغالي والجافي.

ورأى أهل الأهواء أن الكتاب والسنة يقفان في طريق أقوالهم وإحداثاتهم. أما الكتاب فلا سبيل إلى الشك في ثبوته، أو الزيادة فيه، أو النقص منه، فهو قطعي الثبوت لا يفتقر إلى الأسانيد.

وأما دلالته فهي التي نازع فيها أهل الأهواء؛ بصرف النص عن دلالته الحقيقية لمعنى يوافق ما هم عليه، أو على الأقل يخرج عن دلالة أهل السنة.

وقد جعل الله السنة قاضية على الخلاف الذي ينشأ بسبب اختلاف الناس في فهم القرآن. قال سبحانه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ، فهي مفسِّرة مبيِّنة لما أُجمل في القرآن.

ولو شاء ربك لجعل السُّنة أيضًا كالقرآن في ثبوتها، لا تحتاج لعلم الجرح والتعديل، ومعرفة الأسانيد؛ كما أنه سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين، ولكنه سبحانه يبتلي عباده ويختبرهم ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، هكذا قضى وقدّر سبحانه، وليس لنا إلا التسليم.

ولما رأى أهل الأهواء ما في السنة من بيان، وما تقضي عليه من خلاف لمعتقد سلف هذه الأمة، وفتنوا بما رأوا من حاجتها للأسانيد وعلم الجرح والتعديل، وأن منها ما يصح، ومنها ما لا يصح؛ كان لهم منها ثلاثة مواقف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت