جميعهم من طريق عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) ).
وسنده صحيح، وقد صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي، واحتج به ابن خزيمة في التوحيد على إثبات الشفاعة، وصححه أيضًا من المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله في"صحيح الجامع" (3714) ، وشعيب الأرناؤوط في تعليقه على"صحيح ابن حبان".
وله طرق عن أنس، وروي عن صحابة آخرين، فانظرها إن شئت في التعليق على"صحيح ابن حبان"، وأشار إليها الألباني في"صحيح الجامع".
ويؤيد ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه في"صحيح مسلم"رقم (94) قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) )، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: (( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) )، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: (( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) )ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: (( عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ) )، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ )) .
ويؤيد ذلك الأحاديث الكثيرة في"الصحيحين"وغيرهما في خروج أناس من هذه الأمة من النار بعد أن امتُحشوا، وصاروا حممًا، وأخذوا جزاءهم، ويأتون الجنة بعد أن أخذ الناس منازلهم، فيدخلونها، ويعرفون في الجنة بالجهنميين.
فهذه النصوص - وأمثالها كثير - جميعها تدلّ على خلاف ما يراه الإباضية من أن مرتكب الكبيرة خالد مخلّد في نار جهنم لا يخرج منها بشفاعة، ولا بأخذ جزاء، ولا غيره.
وإني لأخاطب عقلاء هذا المذهب من علماء، وطلبة علم، وعامة، فأقول لهم: قال الله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} . فلقد أرشدنا الله إلى منهج للتفكر في أي أمر يعرض لنا: بأن نبتعد - حال التفكر - عن الأجواء الجماعية الغوغائية التي تطيش فيها العقول، ويكون فيها المرء مقودًا بالعاطفة على حساب العقل، نعم! نبتعد عن هذه الأجواء، ونخلوا بأنفسنا {وفرادى} ، أو الواحد منا مع من يأنس به ويفضي بسرِّه إليه {مثنى} ، ثم ينظر بتجرُّد، كم عمري في هذه الحياة إن سلمت من الآفات: ستون، سبعون سنة؟