فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 205

بأسناننا، وإن كان الرجل منا لينفض لحيته فيتساقط منها القمل، قال: وإنما كان يطعمنا خبز الشعير والملح الجرش، قال: ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء، ثم يؤتى بملح فيلقى في تلك المراكن، ثم يضرب حتى يخرج رغوته، ثم يقال: يا أهل السجن! خذوا ماءكم، قال: فمن أخذ من أوله كان أمثل قليلًا، ومن أخذ من آخره فهو العذاب، قال: فكان ضمام ربما ضاق فيقول له أبو عبيدة: ويلك! ما هناك على من تضيق وعلى من تدل» اهـ. وهذه الحادثة ذكرها أيضًا الشماخي في"السير" (1/ 81) .

فحادثة اعتقال أبي عبيدة هذه تدل على أن شهرته في قيادة التنظيم كسرت طوق السرية التي أحاط بها نفسه وعمله، وأصبح تنظيمه مكشوفًا للحجاج بن يوسف، مما حدى به إلى اعتقاله، فلا معنى إذًا لدعوى أن مرحلة الكتمان وسرية العمل كانت سببًا في خمول ذكر أبي عبيدة عند غير الإباضية - وبخاصة في كتب التراجم والتواريخ - ما دام التنظيم قد كشف، وقيادته قد عُرفت، وهذا مما يؤكد ما ذكرته سابقًا من زيف تلك المعلومات التي يدلي بها الإباضية عن شخصية أبي عبيدة.

ثم إن نفس الحدث - أعني حدث اعتقال أبي عبيدة ومن معه - مدعاة لذكره في الحوادث التي يُعنى بكتابتها المؤرخون الذين عنوا بذكر مظالم الحجاج وتعذيبه لخصومه، وقد ذكروا ما هو أقل من هذا!

الأمر الثاني: نقل البوسعيدي أيضًا (ص 12) عن الدرجيني أنه ذكر في"الطبقات" (2/ 246) أن واصل بن عطاء - إمام المعتزلة - كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول: لوقطعته قطعت الإباضية، فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه، فقيل لواصل: هذا أبو عبيدة في الطواف، فقام إليه واصل فلقيه، وقال: أنت أبو عبيدة؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت، لكن قلت: إن الله يعذب على المقدور، فقال أبو عبيدة: وأنت واصل بن عطاء؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يُعصى بالاستكراه؟ فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء، ومضى أبو عبيدة، وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه، يقولون: كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة فسألته فخرج، وسألك فلم تجب، فقال واصل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت