ودعك - أخي القارئ - من هذا التهويل والتهويش، فكما قلت سابقًا: العمر أشرف من أن يضيع في مثل هذه الخصومات، ولولا ما تضمنه كلام الظافر من خلط السباب والسخرية ببعض المسائل العلمية التي لابد من بيان وجه الحق فيها، لأعرضت عن مناقشته، وسأجعل كلامي هنا عن الدولة الرستمية محصورًا في مسألتين:
1 -عرض مختصر عن الدولة الرستمية ونشأتها، وأئمتها، وهل ذكروا في غير كتب الإباضية أولا؟
2 -ثمرة ذكري للدولة الرستمية.
أما نشأة الدولة الرستمية: فأمامنا فيه رأيان:
أ - رأي الإباضية، وهو الذي يقصده الظافر بدعواه أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة استطاع أن يقيم ثلاث دول: التي في عمان، والتي في اليمن، والثالثة التي في المغرب.
وخلاصة ما ذكروه أن رجلًا يدعى سلمة بن سعد الحضرمي اتفق مع أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ليرسل له في البصرة مجموعة من إباضية المغرب ليعدَّهم دعاة هناك، فوصل خمسة من هؤلاء الدعاة، وهم: عاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي، وعبدالرحمن بن رستم الفارسي الأصل، وأبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري الحميري، من أهل اليمن.
وكان وصولهم إلى أبي عبيدة سنة (135 هـ) ، ومكثوا عنده خمس سنوات، وتخرَّجوا من مدرسته سنة (140 هـ) ، وتوجهوا للمغرب، وكان أبو عبيدة أشار عليهم بتولية أبي الخطاب المعافري لصفات رآها فيه، فعقدت له الإمامة في نفس العام سنة (140 هـ) ، وبايعه الإباضيون، فبدأ حروبه، حيث استولى على طرابلس، ثم توجه إلى القيروان فاستولى عليها، وكانت هناك عدة وقائع بينه وبين العباسيين، حتى إنه قتل من جنود بني العباس في إحدى الوقائع ستة عشر ألفًا.