وحتى يعزز في أذهاننا أهميّة بل قدسية المكان، الذي وصلَ إليه الآن، يفجؤنا بعبارة تأتي بعد المقطع السابق، وبين قوسين، وكأنها صوت خارجي يسمعه الشاعر .. صوت آمر يقول لَهُ:
"اغتسل"
ليتابع بعدَ ذلك صوت الشاعر مُعدّدًا أملاكهُ:
"نهرٌ من الليلكِ، عصفورٌ من الجمرِ"
وأشياءُ،"اغتسلْ"كان التُرابْ
قبّة من ذهبٍ، مرفوعة فوق عواميد الذهولْ
كان بابٌ (للدخولْ) " (151) "
إن فعل الأمر"اغتسلْ"يتكرّر مرتين، وبهذا يريدُ منا أن نفهم أنه يتلقّى أمرًا خارجيًّا، بأن يغتسل لأنه يدخلُ مكانًا نقيًّا طاهرًا لايدخله إلا المطهرون ...
ويستطيعُ بذلك أن يستحضر حكاية دينيّة أخرى بشكلٍ غير مُباشر؛ إنها حكاية النبي موسى حين تجلّى لَهُ اللهُ في طور سيناء نورًا؛ وكانت عبارته الأولى:
اخلع حذاءك ياموسى، إنكَ تقفُ على أرضٍ مقدّسه. إن محمد عمران يستلهم أيضًا هذهِ الحكاية المعروفة بشكلٍ ايحائي شفيف، رغمَ أنه إلى الآن لازال يستخدمُ شخصيّة المتنبي استخدامًا كُلّيًا؛ أي أن الشاعر"يتحدّث بلسان الرمز (الأسطوري) أو يتحدّث إليه، وقد يُصّرح بالأسماء، وقد يوحي بها من دون اشارة" (152)
ويجتاز الشاعرُ الباب ... بابًا غريبًا، ليعبرَ دهليز الموت:
"البابُ تعرّى"
شفتاهُ قمرا دهشة
ادخل، ادخل، ادخل. تنصفقُ الشفتانِ
وأعبرُ دهليزَ الموت" (153) "
فيجدُ في انتظارهِ الزنابقَ والعشبَ والأغنيات، المطر .. قميص الحياة ..
ورُبّما لاحظنا في الأمثلة السابقة - وسنلاحظُ لاحقًا- أن عمران يمنحُ خيالهُ حُريّةً ابداعيّةً مطلقة في تشكيل صورهِ ورؤاه التي"تتجاوز الواقع إلى ماوراء العقل، حين تجمع بين أشياء لايمكن أن تقترن" (154) ، ساعيًا لإنشاء علاقات جديدة بين الأشياء ومحاولًا أن يوحّد بين ذاتهِ الداخليّة والطبيعة من حوله.
سيجدُ الشاعرُ وسط هذا المكان الجديد، أن لغتَهُ الأرضيّة غير قادرة على التعبير، ولن تصلح أداةً لصلاته؛ إنه الآن أحوج مايكون للغةِ الماء والنار والموت، لأصواتِ الأشجارِ والطير، للغة تحملُ رائحة الدفلى والنعنع والريحان.
ونفاجأُ حين يُصّرح الشاعرُ بعد كل ماسبق أنه بلا حُب.