الصفحة 68 من 99

المقطع"2"؛ مقطعُ بوحٍ دافيء، مُرٍ أحيانًا ... فاحشٍ أحيانًا أخرى، إنه الشاعر يسردُ لبوّان كلّ مامَرّ عليه، وماعاناهُ، ولكن ليس كشخصٍ واحد يعيش في زمنٍ محددٍ، عُمرًا مُحدّدًا؛ إن هذهِ الروح الأزليّة التي لاتموتُ أبدًا، التي تعبر العصور والأمكنة هي التي تفصح عن نفسها متنقّلةً بين كثيفٍ وكثيف ..

فتروي كل ماخبرته وعانته .. ويبدو أن الشاعر تمكّن من جعلها تبوحُ هذا البوح، بأن حرّرها من جسدهِ الذي تسكنه، باشغالِ هذا الجسد عنها، وكيفَ ينشغلُ الجسد؟

لقد علّمنا المتصوّفة أن هذا يكون بتحطيمهِ وقهرهِ .. بالجوع والعطشِ والصلاةِ الطويلة والتأمّل وغيرها ..

أما عمران فقد كان لهُ ذلك -وهذا احتمال- بمضغ"المن والسلوى"والمنُّ: في أحد معانيه- هو طلٌّ ينزلُ من السماء على شجرٍ أو حجرٍ، ينعقد ويجفُّ جفاف الصمغِ، وهو حلوٌ يؤكل، أما السلوى:

فهو شرابٌ يشربهُ الحزين فيسلو، وقد جاءَ في القرآن الكريم:

"ثُمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون، وظللّنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنَّ والسلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم، وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"سورة البقرة الآيتين 56 - 57. والآيتان في وصفٍ بني اسرائيل حين أظلّهم الله في التيه، ثُمّ أنزلَ المن والسلوى فاقتاتوا بهما. يتخذُ الشاعر

عبارة:"مضغتُ المنَّ والسلوى"لازمةً تتكرّرَ ست مرّات، لتفصح الروحُ في كل مَرّة عن مرحلة من مراحل انتقالها وسفرها، ولايخفى علينا - على ضوءِ الآيتين الكريمتين- أن عمران أرادَ بصورةٍ من الصور أن يعيدَ إلى أذهاننا ذلكَ التيه والضياع اللذين عاشهما قوم كفروا؛ ويسقط هذهِ الحالة على الروح التي تنتقل تائهةً من عصرٍ لعصرٍ ومدينة لمدينة:

"مضغتُ المنَّ والسلوى"

سكنتُ مدائن القاتِ

أكلتُ، أكلتُ لحمَ الحزنِ

مُرًّا كان، مائي شارعُ الكلماتِ

كان حذائي المجدولِ من نُعمى الأمير على فمي

غنيّتُ في نعليهِ،

قلتُ: الشمسُ فُرشاةٌ لهُ، لمّعتُهُ

صوّرت فيهِ الناس" (162) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت