هُنا كان للروح أن تتقّمص شاعرًا مدّاحًا .. يرتزقُ ويعيش بشعرهِ.
"مضغتُ المنَّ والسلوى"
سكنتُ مدائنَ الماءِ
أضعتُ هناكَ أسمائي
غريبا كنتُ، وجهي يلبسُ القمصان كيفَ تفصّلتْ
كيف امّحتْ ألوانُها
انصَبغتْ،
لساني كان أسودَ، كان أحمرَ، كان أبيضَ
كان مصبغةً لكلِ لغاتهمْ
كانت يدي جسرًا حريريًّا
تمرُّ عليه كل قوافل الكلمات
كل اللافتاتِ
كان الموت يعبُرُ في سلامٍ فوقها" (163) "
وهنا أيضًا تقدّمُ الروحُ حالةً مشابهةً لسابقتها حالة شخصيّة لاصوت ولاشكلَ ولااسم لها .. شخصية تبّدل ملامحها كما لو كانت ثوبًا يُرتدى ويخلع، شخصيّة تقولُ مايطلب منها، وتكتبُ مايرددهُ السلطان ..
فيمُرُ الموتُ من فوقها ومن حولها وتبقى سالمة.
ولعلَّ هذا المقطع هو الذي يضيءُ لنا ماأرادهُ الشاعر من عنوان هذا الفصل والاستهلال الذي تلاه.
وتكون المحطّةُ التالية مدائن الجوع:
"سكنتُ مدائن الجوع"
دخلتُ هناكَ، دهليزَ الشفاهِ
تكسّرت عينايَ في بوابةِ الأفخاذِ
كان الجوعُ طاقيّة
تخفي خلفها العتّال، والسلطان، والكاهنْ
رأيتُهُمُ جميعًا يجلدونَ الحُبَ خلفَ ستائر
حمراء
كان دمٌ يسيلُ على الستائر" (164) "
وإن كنّا نُسَرُّ لهذا التوظيف الجميل لطاقيّة الإخفاء المعروفة في الحكاية الشعبيّة، لكننا لانستطيع أن نقبل كيفَ يكونُ الجوع طاقية تخفي العتّال والكاهن والسلطان؟! رُبّما وافقنا أنهم جميعًا يجلدون الحبّ لتسيل دماؤه؛ مع أننا سنستغرب أن يُجمَعَ هؤلاء الثلاثة بتلك الصورة؛ لكن الفكرة الأولى تبقى مستهجنة.