دعوةٌ للهبوطِ
إلى آخرِ الجحيمْ" (195) ."
وفي موضعٍ آخر نقرأ:
"كيفَ لي أن أردَّ النبوَّةَ -تأتي في"
قميصٍ من الضوءِ، تُلقي وجهها في
يديَّ وتنفُثُ أسرارها في عروقي
وأنا من تنبأ شِعرًا
انظروا: إنّها الآنَ تفرشُ لي ساعديها
وتُسكنِني دارها
كيفَ لا أتبطّنُ أغوارهَا؟
وأنا من تنبأ شِعرًا
لا يشاءُ الذي لا أشاءْ" (196) ."
ونلاحظُ في المقطع السابق استناد أدونيس إلى ما نُسِبَ للمتنبي من أنّه ادّعى النبوّة، لكنهُ يرفَعُ عنه هذهِ التهمُه، ويقاسمُهُ، إياها بمعنى آخر، هو معنى رؤيا الشعراء المبدعة المتفرّدة، التي تُصيبُ مالا يصيبُهُ الآخرون، وتُحسُّ نبضَ المستقبل؛ والصوتُ هنا مشترك؛ إن أدونيس يرتدي قناع المتنبي -الرائي، وأدونيس يتقنُ ذلك، فقد قدّمتهُ بعضُ قصائدِهِ بصورةِ نبيٍّ وعَرّافٍ وماشابه ذلك:
"إنني نبيٌّ وشكّاك"
أعجنُ خميرة السقوط، أترُكُ الماضي في سقوطِهِ، وأختارُ نفسي" (197) ."
وينجحُ هذا التماهي بين الشخصيتين (أدونيس والمتنبي) ؛ لعدة أسباب أهمّها ذلك الإحساسُ -من جانب أدونيس- بالتشابه بينَهُ وبين المتنبي، وتشابه الحقبتين التاريخيتين والأهم من هذا وذاك هو"توافق الرمز خارج الشاعر، مع الرمز داخله" (198) بينمَا ظلَّ صوتُ المتنبي صافيًا في الحالات التي يتحدّث فيها عن أشياء لن تكونَ بأي شكلٍ من الأشكال مشتركة مع أدونيس، إلا أن الثاني وفي كل الحالات سيقول المتنبي بلغتِهِ هو وأسلوبهِ متكئًا على فهمِهِ الذاتي لهُ ولشعرهِ.
-أما الجزء الأسفَل من المتن الشعري، الذي يميّزهُ أدونيس مِنْ سابِقِهِ بنجم (*) فهو جزءٌ تتعدّد فيه الأصوات، وهو غالبًا يأتي تعليقًا على المتن الأعلى، أو نتيجةً أو تعميمًا لهُ ويأخذُ شكل الحكمة أو المُسلّمة أو القانون:
"* ابتكر كلماتٍ"
للمكانِ تصيرُ زمانًا" (199) "
"* لا تكتبُ أرضَ الحُريّة"
إلا لغة وحشيّة" (200) ."