مُغريًا سامعيهِ وقُرّاءِهِ،
للهبوطِ إلى آخرِ الجحيمِ التي تتأصّل
في أرضهم وتواريخها
قالَ: أروي لكم
بعضَ ما خبرَ المتنبي وماهالَهُ وما
صاغَهُ
بعذاباتِهِ وبألفاظِها وبسحرِ البيانِ الذي
يتبجّسُ في نكهةِ الرمزِ، أو لمحةِ الإشارةْ
في نسيج العبارة
سأخيّل حالي لابسةً حَالَهُ وأكررُ تلكَ
الجحيم بلفظي -بسيطًا، مستضيئًا بما
قالَهُ، أتقفّى، الضياءَ إلى ذرواتِ الكتابْ
بادئًا بالتُرابْ" (206) ."
وسيفلِحُ الرواةُ بتقديمَ رؤيا مروّعة، وفي منتهى الدمويّة والوحشيّة لحقبةٍ طويلةٍ من تاريخنا؛ وسيكررُ هؤلاء الرواة مشهدًا يكادُ يكون واحدًا، على امتداد مايقارب أربعمئة صفحة، مع اختلافِ أسماءِ القتلى والمصلوبين والمحروقين:
"وثنى الراوية:"
أسروا مالكًا، ضربوا عنقَهُ
وضعوا رأسَهُ تحتَ قدرٍ
نضجتْ قَبَلَهُ، قتلوا أهْلَهُ واحدًا واحدًا
ما عداها -زوجةً كان مالك يزهو بها.
وتزوّجها خالدٌ" (207) ."
والطريف أن كل مايقولُهُ هذا الراوي أو ذاك يُقدَّمُ وكأنّهُ يأتي من ذاكرةِ المتنبي:
"قالَ الراوي"
مغموسًا في ذاكرةِ المتنبي ...." (208) ."
وسنجدُ أحد الرواةِ؛ لكثرةِ ما قصّ علينا من أسماء القتلى وطرقُ القتلِ؛ يصابُ بالبلبلةِ والهوس في الثلث الأخير من الكتاب:
"وثنى الراوية"
حذرًا حائرًا:
رُبّما خطأٌ أن نرى السيفَ سيفًا
رُبّما كانَ وجهُ الملاكِ -مؤذنًا بالهلاكْ" (209) ."
وهل ينجو الكتّابُ والشعراءُ من هذا المصير؟ إنهم الوقود الأول لَهُ، وموتُهم