دائمًا أشدُ هولًا؛ وسيتذرّع ممثلو السلطة دومًا بأوهى الحجُجِ للنيل من هؤلاء الخطرين (التغزلّ والتشبب بالنساء، شرب الخمر، رفض كتابة المديح بالأمراء والملوك، الكفر والزندقة، وغيرها من الحجج) ، وسيقدّمُ الرواةُ عشرات الحوادث، واختارُ منها قصة ابن المقفع مع سفيان بن مُعاوية عامل المنصور على البصرة سنة 145 هـ).
"قال الراوي:"
أحمى سفيان تنورًا
كي يطعمَ لحمَ الكاتبْ
للجمرِ اللاهبْ
قطّعهُ إربًا إربًا ورماهُ فيهِ" (210) ."
أمام كل هذهِ الفواجعُ يقفُ الراوي نفسه خائفًا حائرًا، ومتسائلًا، عن ماهيّة مستقبل هذهِ البلادِ؛ فإذا كان الحاضُرُ كفنًا:
"هو ذا الحاضرُ مرئيًا بنار الزمن:"
كفنٌ مندرجٌ في كفنْ" (211) ."
والماضي قتلٌ، فماذا سيكون المستقبل؟!:
الفكرةُ قتلٌ أومقتل: تلكم مائدةُ الماضي
أتراها مائدةٌ المستقبل؟" (212) ."
وسبب كل هذا -كما حددهُ الراوي منذ البداية- هو العرش؛ إنها حربُ على كُرسي الخلافة:
"وثنى الراوي"
عرشٌ يتنقّلُ، والقتلى
عرباتُ حينًا
وجسورٌ حينًا" (213) ."
وكلّما هوت رأسٌ جديدة، كلّما ارتفَعَ العرشُ وترسّخ:
"وثنى الراوية يتساءَل في حيرةٍ:"
مالسلطانِ هذا الزمانِ يكرّرُ في
نشوةٍ: كلما قيل رأسٌ هوى
يكبُرُ العرشُ تحتي، وأعلو؟" (214) ."
ويسندُ هذهِ الرؤيا، ويرفدها صوت المتنبي في المتن الرئيس:
"لا أرى غير رأسٍ، يُرجّلُ في عارِهِ"
غير رأسٍ تدحرج، عن كتفيهِ
الرؤوس كراتٌ