فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 175

ظاهرة التكسر اللغوي والتثاقل اللساني العربي ظاهرة جلية ملفتة للنظر عند شريحة كبيرة من الشباب العربي في داخل وطنه وفي عقر داره؟ وهنا قد يسأل سائل ما علاقة الغزو الثقافي بتدهور المستوى اللغوي؟ وهل هناك ما يمنع أن يكون أحدنا مثقفًا ولكن من غير أن يكون فصيحًا ومتكلمًا ناطقًا بلغة الضاد؟ وفي الحقيقة إن الثقافة العامة ليست مرتبطة باللغة العربية تحديدًا ولكنها مرتبطة باللغة عمومًا، لأن أي مثقف لا بد أن يكون على مستوى لغوي عال سواء أكان أحادي اللغة أو متعدد اللغات، لأنه لا بد أن تكون لديه كفاءة ومقدرة لغوية عالية في لغة واحدة على الأقل.

والملاحظ في جماعة الشباب العربي أنه يحاول جاهدًا التحدث بإحدى اللغتين الأجنبيتين الإنكليزية أوالفرنسية ظنًا منه أن ذلك دليل وإشارة على الثقافة أوالانتماء الطبقي الرفيع، وتساهم في هذا التوجه هيئات التعليم العامة والخاصة التي تتسابق في رفع مستواها عن طريق تقوية البرامج اللغوية الأجنبية لديها، ولكن ذلك يحدث عادة على حساب اللغة العربية التي باتت تُدرّس وكأنها اللغة الثانية للطالب. وبطبيعة الحال فإن اللسان هو بوابة الثقافة وكلما ضعفت اللغة العربية عند المتكلم ضعف اطلاعه الثقافي والحضاري لهذه اللغة، لأن اللغة ما هي إلا انعكاس ووعاء للحضارة والتراث والتاريخ، وفي المقابل فإن الطفل العربي الذي ينشأ في بلد عربي ولكن في ظل مؤسسات تعليمية تنتهج المناهج الأجنبية، لا تتم ملكته اللغوية ولا تكتمل تمام الاكتمال لا باللغة العربية، التي من المفروض أن تكون اللغة الأم لديه، ولا باللغة الأجنبية التي تأتيه منقوصة ومبتورة لأنها تنمو لدى المتعلم خارج بيئتها الأصيلة. وبالتالي تتشكل ثقافة ذلك المتعلم من شرذمات ثقافية عربية متفرقة غير متكاملة ولا متماسكة، مع فيض من فتات الثقافة الغربية الملحقة باللغة الأجنبية التي تعلمها. فهل يعتبر ذلك الشخص مثقفًا في هذه الحالة؟ وهل تلك الثقافة تخوله أن يكتب الكلمات العربية باللهجة المحلية بالحروف اللاتينية على صفحات ما يعرف بالفيس بوك، الذي لم نجد له حتى اليوم تسمية عربية مناسبة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت