فهرس الكتاب
إذًا فالثقافة مرتبطة فعلًا وبشكل وثيق باللغة ومستواها عند المتكلم، وبما أننا في معرض الحديث عن الترجمة نسأل: هل الترجمة التعريبية هي أحد العوامل المؤدية إلى هذا التردي اللغوي الثقافي؟ في الحقيقة إن الأمر له أسباب متعددة لا تنحصر حتمًا بالكتب المترجمة إلى العربية، بل يدخل من ضمنها االانفتاح الكامل على العالم عن طريق الشبكة العنكبوتية، الإنترنت، والقنوات التلفازية والإذاعية الفضائية. ولكن إذا حللنا الأمر قليلًا بموضوعية نجد أن هذه القوة المعلوماتية التي حولت العالم إلى قرية واحدة تصب، فيما تقدمه من خلال وسائلها المتعددة، في المقام الأول في خانة الترجمة، لأن كل ما نجده مكتوبًا أو مسموعًا على الشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية هوجزء من منظومة موسوعية ضخمة لخلاصة ثقافة الغرب والعالم، تأتينا مترجمة إما بشكل لغوي مباشر أو من خلال ترجمتها إلى أفلام سينمائية وبرامج ثقافية وغير ذلك، فتفرض علينا أفكارها وقيمها وأيدلوجياتها، وتقرر لنا ما يجدر وما يجب، وماهو مقبول وما هو مرفوض، وتعيد صياغة عاداتنا وتقاليدنا وآرائنا. فهل هناك أخطر من الكلمة؟ إن ما يسمونه بحوار الحضارات والعولمة والعالم الواحد ما هي إلا شعارات الهدف منها إذابة الثقافات القومية والوطنية وإحلال"الفوضى الثقافية"وما يتبعها من العصبيات والنزعات الإقليمية والطائفية.
والترجمة حضارة ورقي وهي من أول وسائل التواصل الإنساني والمثاقفة بين الشعوب وأهمها، ولكن الملاحظ أن الأمم القوية في تاريخ الإنسانية تحظى بالسيادة اللغوية، وتسعى الأمم الضعيفة إلى اللجوء إليها، والانضواء تحت جناحها، والطواف في فلكها، وأول ما تفعله الشعوب الأضعف عادة هو تقليد حضارة الأقوى في البناء والعمران، واللباس، والمأكل والمشرب، وطريقة العيش، وطريقة الحديث والتخاطب، كما نجد أن الشعب الأضعف يتهافت على كل ما يصل إليه مكتوبًا أو مسموعًا فيترجمه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
وإن أول ما يترجم عند هؤلاء الكلام اليومي الذي نستخدمه في الحياة اليومية؛ حيث يبدأ البعض بإدراج العبارات الأجنبية أو المعربة في كلامهم الاعتيادي، يلي ذلك ترجمة كتب الأدب من نثر وشعر، أما كتب العلوم الإنسانية والطبيعية وغيرها من العلوم الأكاديمية فتأتي بالمرتبة