فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 175

الأخيرة من الاهتمام، وخاصة إذا كانت الشعوب الأضعف قد استفحل بها الهوان والذل وقلة ذات اليد والحيلة، فعندئذٍ لا ينتقل عن طريق الترجمة إلا اللمم مما أبدعته عبقريات الأمم المتقدمة.

وتعاني الأمة العربية منذ ما ينيف على القرن من هذه الحالة المرضية من التقليد الأعمى والتبعية للغرب، التي تتجلى أعراضها في كثير من الجوانب، ولكن ما يهمنا منها في إطار هذا البحث هوالتبعية اللغوية والثقافية. تظهر هذه الأعراض على شكل ركام هائل من الشباب اللاهث وراء الغرب، وإعلام ممسوخ الهوية لا طعم له ولا لون، تفوح منه رائحة التعفن الفكري والضحالة والسخافة الممزوجة بالبلادة!

إنه لما يندى له الجبين أن نسمع إعلاميينا ومذيعينا، من حملة الشهادات والمؤهلات العلمية الكبرى والصغرى، يتشدقون بالألفاظ الأعجمية على شاشات التلفزة الفضائية التي باتت لا تعد ولاتحصى، فنسمع أحدهم وقد استبدل عبارة تحقيق صحفي بِ"ريبورتاج"، وحق النقض بِ"الفيتو"، وآلة التصوير بِ"كاميرا"، ونسمع آخر يستعرض عضلاته الترجمية في تركيب عبارات هجينة شاذة، لاتمت إلى اللغة العربية بصلة، بل تفقد كل جاذبيتها ومعناها، وتستفرغ مضمونها بلغتها الأصلية إذ تترجم حرفيًا إلى العربية، فتأتي مسخًا مشوهًا لعبارات أجنبية نطقت بأصوات وحروف عربية. ومن ذلك قول"أحد مراسلي الفضائيات العربية"والشيطان يكمن في التفاصيل .."مترجمًا بشكل حرفي التعبير الإنجليزي:"

(1) درويش، علي: لغة أجنبية وأصوات عربية: ظاهرة الاستغراب الفكري واللغوي في اللغة العربية الحديثة، مجلة صوت العربية (2008)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت