فهرس الكتاب
يرافقها الشعر الرومانسي المتمرد والمتفائل بالغد الأجمل فنسمع الألحان العاطفية الدافئة التي تتغنى بالحب والطبيعة، و تنشد الأغاني الوطنية ذات الوقع الموسيقي الحماسي الساخن، ثم يأتي الإنكسار النفسي، فيحلّ معه الشعور باليأس والكفر بالوعود والأحلام التي أضحت أوهامًا، وتنعكس تلك النفسية القاتمة من خلال الشعر الحر المليء بالرموز والتناقضات والأفكار المشوشة بل المشوهة أحيانًا، فإذا أرهفنا السمع مع الألحان في تلك الفترة لوجدنا أنها أصبحت حزينة باكية و شاكية. وأخيرًا يأتي زمن الفوضى والضياع، و زمن اختلاط الألوان وزمن السرعة المجنونة في كل شيء، فيتحول الشعر إلى مجرد جمل هي أقرب إلى الفلسفةمنها إلى الشعرتصفُّ كلمات لا تتمتع بعمق المعاني ولا بصدق الإحساس، فيهرع أهل الموسيقا والغناء إلى معازفهم ليطرقوا أسماعنا بالضوضاء المزعجة والضجيج ذي الوتيرة المتسارعة التي تجعل من الوتر النشاز لحنًا، ومن كل من يستطيع رفع عقيرته بالصوت مطربًا.
إذًا فالشعر يكمل ويتكامل مع بقية الفنون؛ لذلك فقد يلجأ الشعراء أحيانًا إلى إدراج بعض الأنماط الفنية الأخرى وعلى رأسها الغنائية في أبياتهم وسطورهم الشعرية، ومن ذلك السطور التالية لغادة السمان:
"لماذا تذكرني كلمة وداعًا بصوت المقصلة؟ لماذا تذكرني عيناك بالياسمين وصوتك بالميجانا والعتابا؟" [1]
وفي موضع آخر تقول غادة السمان:
"ويقصني صوت فيروز الجارح منشدًا: .. (بعدك على بالي .. ) " [2]
إن السطور السابقة تعكس هذا الترابط بين الشعر وأنماط الموسيقا والغناء بشكل جلي، فالشاعرة تعيدنا بالذاكرة أجيالًا عندما تذكرنا بالنمط الغنائي الشعبي المسمى بالميجانا والعتابا، وهي تسأل من تخاطبه في سطورها وتتساءل لماذا يذكرها صوته بهذه الأشكال الغنائية، وكأنها تقول له ولنا كقراء بأنه يحمل إليها عبق الماضي وحنينه وأيامه لأن هذا النمط الغنائي ساد أكثر ما ساد في
(1) السمان، غادة. أعلنت عليك الحب، بيروت: منشورات غادة السمان 1999. ص 27
(2) المصدر السابق. ص 72