فهرس الكتاب
تعليق، فالقارئ الذي ينتمي إلى لغة وثقافة الشاعر يعرف أو على الأقل يدرك بأن تلك حادثة تاريخية مشهودة وذلك مكان حصلت فيه بعض الأحداث الأليمة أو السعيدة المفرحة إلى آخر ما قد تتضمنه تلك الأسماء وتلك الأماكن من رمزية وخصوصية للشاعر والقارئ. والملاحظ أن هذا النوع من اللمحات الثقافية يكثر في الشعر الوطني كما يكثر في الشعر العربي القديم في عدة مواضع منها على سبيل المثال لا الحصر في أبيات النسيب حيث يذكر الشاعر أماكن بعينها لأن محبوبته سكنت فيها، أو يتذكر يومًا حدث فيه أمر ما وشهد فيه ما ذكره بها. وقد يتميز شاعر أكثر من غيره بخاصية ذكر أسماء أماكن وأحداث معينة، وفي رأيي أن السبب هو شخصية الشاعر وميوله النفسية، فبعض الناس تعني لهم الأماكن الكثير، والتاريخ بالنسبة لهم بوصلة للحياة يتعرفون منخلالها على معالم الطريق. وليس كل الناس سواسية في تلك الميول ولهذا فقد نجد شعراء يكثرون من ذكر الأسماء والأماكن والأحداث أكثر من غيرهم، وخاصة إذا كان الشاعر منهم بعيدًا عن وطنه وأحبائه ومربى طفولته ونشأته الأولى؛ فذلك يجعلهم كثيري الحنين والإشتياقلتلك الأماكن وتلك الأحداث.
ولنتعرف على نماذج من تلك الإشارات نقرأ الأبيات التاليةللرصافي (صاح إنَّ الخطوب في غليان) يصف فيها المستعمر الإنكليزي المخادع والكاذب في وعوده وعهوده مع الشعب العربي في مصر:
"نقضَ القومُ عهدَكُم قبلَ هذا ... واسْتَخفوا بحِفْظِهِ في صوانِ"
واسْتَهانوا بالوعدِ إذْ أخْلفوه ... واسْتَغلُّوا دفائِنَ الأوْطانِ
وأقاموا فيها قواعدَ جوٍّ ... لاحْتِشادِ الجنودِ والطيرانِ
ثم بثّوا بها العيونَ يَعيثو ... نَ فَسادًا في سُوحِها والمباني
قيَّدوكم لِنَفْعهِم بِعهودٍ ... ناطقاتٍ من أسرِكم بِلِسانِ
ليسَ تلكَ العهودُ يا قومُ إلا ... كعهودِ الذِّئابِ للحملانِ" [1] "
(1) الرصافي، معروف. ديوان الرصافي، شرح وتعليق مصطفى السقا، ج 1،ط 4،دار الفكر العربي القاهرة 1949.ص 476