فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 92

أبُوه، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرحًا واحدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه". [1] "

إنّ"هذه الإشارات كثرت وتناثرت في كتب علمائنا الأجلاّء، لكنّ الذي جعل منها نظريةً ورسّخ دعائمها، وسهّل فهم أسرارها، وإدراك خباياها، هو عبد القاهر الجرجاني ت 471 ه لما ألّف كتابه دلائل الإعجاز" [2] قال فيها:"ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان، ويجعله على ذُكرٍ، أنه لا يتصوّر أن يتعلّق الفكر بمعاني الكلم أفرادًا ومجرّدةً من معاني النحو، فلا يقوم في وهمٍ، ولا يصحّ في عقلٍ، أن يتفكّر متفكّر من معنى"فَعَلَ"من غير أن يريد إعماله في"اسم"، ولا أن يتفكّر في معنى"اسمٍ"من غير أن يريد إعمال"فَعَلَ"فيه، وجعله فاعلًا له أو مفعولًا، أو يريد فيه حكمًا سوى ذلك من الأحكام مثل أن يريد جعله مبتدأً أو خبرًا أو صفةً أو حالًا أو ما شاكل ذلك؛ وإن أردت أن ترى ذلك عيانًا فاعمد إلى أيّ كلامٍ شئت، وأزل أجزاءه عن مواضعها، وضعها وضعًا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو فيها، فقل في: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) (من قفا حبيب ذكرى منزل) ثم انظر هل يتعلّق منك فكرٌ بمعنى كلمة منها؟ واعلم أني لست أقول إنّ الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلًا، ولكني أقول إنه لا يتعلق بها مجرّدةً من معاني النحو وتوخّيها فيها". [3]

وفي العصر الحديث لم يختلف نظر التوليديين التحويليين عن نظر السابقين، وليست التطوّرات التي حقّقوها في بيان غاية النحو إلا رجوعًا إلى القديم، مما جعل جَاكُبْسُونْ اللساني المعاصر يلتقي مع ابن جني وغيره على غاية علم النحو، ومفهومه عندما قال:"إن القوة الشعرية للنحو قد لاحظها"

(1) - ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، المكتبة العلمية ج 1، ص 35.

(2) - محمد حماسة، مرجع سابق 14.

(3) - عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تعليق: محمود محمد شاكر، د. ع. ط، ص 410. وينظر أيضا: النحو والدلالة لمحمد حماسة، مرجع سابق، ص 11 - 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت