الشرقي، ومدوا جذورهم بين الشعوب التي حكموها، وكان نتاج ذلك ظهور مجتمع جديد له حياته الخاصة وتمازجت عناصره كافة تمازجا تاما، وهو بعيد كل البعد عن التصنع، أما المدرسة الأخرى فترى أن السمة الأساسية لتنظيم الدويلات اللاتينية هي تسلط طبقة أرستقراطية عسكرية صغيرة على جماهير السكان الوطنيين، وأن هذه الطبقة الحاكمة استغلت الشعوب الخاضعة لها اقتصادية عن طريق الترتيبات الاجتماعية التي وجدتها قائمة، والتي كانت مماثلة لتلك المعروفة في أوربا. ولم تدخل هذه الطبقة من جانبها سوى تعديلات طفيفة على الحياة اليومية للسوريين.
ويبدو هذا التفسير الأخير متفقة مع الحقائق أكثر من سابقه. في حين استخدم مادلان وغروميه الشواهد التي بين أيديهما بحماسية مفرطة، ولم يعير اهتماما يذكر إلى الحدود التي تقف عندها هذه الشواهد، وتجاهلا أهمية الحقائق الكثيرة التي تتناقض معها، أو لم يقدرأها حق قدرها، وفاتهما بالتالي أن يدركا أحتال کون و الاستشراق»، الذي تحدثا عنه، قضية ظاهرية وسطحية نسبية كان لها تأثيرها الخلاب على الظواهر لا أكثر، نجد أن استنتاجات بونيو وكاهن تأتي أقرب إلى حقيقة الواقع.
إذ أن الأمن والعدالة اللذين عرف بهما حكم الفرنجة حققا لهم طاعة المسيحيين والمسلمين السوريين وبعض ولائهم، ولكن نواحي الضعف في ذلك الولاء
كانت تتكشف زمن الأزمات العسكرية. وكانت ارتباطات المسيحيين السوريين مع العالم الاسلامي حسنة فكان موقفهم في تلك الحرب المقدسة قريبة من الحياد (ا) . إذ كانوا أصدقاء عرضيين «amici fartunae» يميلون حيث يكون الجانب المنتصر. وكان المسلمون يستجيبون، بطبيعة الحال إلى نداء العقيدة في الظروف المماثلة، وينقلبون بقليل من التشجيع على أعداء فاعلين ضد أصحاب السلطة من الفرنجة. لقد قام حكم الفرنجة على القوة وظل مستمرة على هذا الأساس. وكان أعتادهم الأماكن المحصنة وحامياتها هو الملاذ الأخير لممالك الفرنجة ووسيلتهم الوحيدة لرد الغازين عنها، وبعد الحكم الذي أطلقه بروتز Prutz منذ زمن طويل على موقف الفرنجة العسكري إزاء مواطني الشعوب الأخرى أكثر الأحكام إثارة للضجة مع أنه لم