كان كل من واديي الفرات والنيل يشكل على مر التاريخ قاعدة امبراطورية. ولما كانت سورية هي الجسر الواصل بينهما، فقد تعرضت للغزو من كليهما أكثر من مرة. وفي القرن الثاني عشر كانت السيطرة على وادي الفرات في ظل الخلافة العباسية، التي كان سلاطين السلاجقة يتمتعون فيها بسلطة مؤقتة منذ العام 1009. أما وادي النيل فكان تحت حكم الخلافة الفاطمية، التي تأسست في مصر منذ العام 999. وكانت الخلافتان خلال القرن الثاني عشر تخوضان الحرب، بين الفينة والفينة، ضد الفرنجة، الذين تأثرت طرائقهم العسكرية بتنظيمات الجيوش التي توجه ضدهم وتكتيكائها. إن هدف هذا الفصل هي دراسة الخصائص المميزة للجيوش الاسلامية التي كان لها أثرها على نشاط الفرنجة وسلوكهم في سورية.
من المسلم به أن نجاح الحملة الصليبية الأولى كان بفضل الشقاق المستعر بين الأتراك السلاجقة. إذ كان عهد سلاطينهم العظام من أمثال طغرل بك، وألب أرسلان، وملکشاه قد انصرم بوفاة الأخير في عام 1092. ولم تفشل هذه السلالة بعدهم في إنجاب شخصية مكافئة لأولئك السلاطين العظام فحسب، وإنما انصبت معظم طاقاتها على المنازعات في سبيل الإرث وعلى الحرب الأهلية. فوهنت، في هذه الظروف، سلطة السلاطين، التي كانوا يمارسونها على مؤسسات الدولة، وخاصة على