اتخذها البطريرك والظروف التي وصفها «والتر في أفصح بيان عن الأساس المتقلقل الذي كان يقوم عليه الحكم اللاتيني في سورية
يحق للمرء أن يتساءل الآن فيما إذا كانت الحرية التي أتيحت للمسيحيين والمسلمين السوريين لتدبير شؤونهم نتيجة لسياسة (مستنيرة، تنطوي على الثقة التي كان باستطاعة الفرنجة منخها لأتباعهم، أو أنها دليل على تلاحم العناصر الغربية والشرقية في مجتمع واحد له قوته الذاتية الخاصة به. مما لاشك فيه أنه كان في وسع الفرنجة الاعتماد على الأقل- على الولاء السلبي لمعظم السكان الذين يخضعون لحكمهم، ولم تشاهد سوى حالات نادرة كشف العداء المستتر فيها عن نفسه، عندما كان الغازون المنتصرون يهددون الدويلات اللاتينية. ولكن هذا لايشكل سوي جزء من الإجابة عن ذلك التساؤل، ولا بد أن يكون السبب الهام والأكثر التصاق بالقضية هو ضالة عدد الطبقة الاقطاعية الحاكمة والفروق اللغوية والسلوكية التي تفصلها عن رعاياها من سكان البلاد الأصليين. إذ أن إحلال أعراف بديلة محل الأعراف المحلية في إدارة القرى، يقتضي وجود طبقة من الإداريين أوفر عدد مما كان لدى الفرنجة ناهيك عن تفاقم الصعاب التي تواجه تلك الطبقة بسبب اختلاف اللغة. أما ترك المجتمعات المحلية تمارس أعراقها الخاصة فليس مجرد سياسة و مستنيرة» فحسب، وإنما كان محافظة على اعتبارات متعارف عليها في القرون الوسطى(1) . وهو أفضل ممارسة سياسية عملية وأكرها اقتصاد بالقوة البشرية (2) .
ثمة أسباب أخرى جعلت من تبديل التقاليد المحلية أمرا لاضرورة له. فقد كانت احتياجات الطبقة الاقطاعية تنحصر مبدئية في استغلال الناس الخاضعين الحكمها اقتصادية. وكانت هناك سمة بارزة تسم التنظيم الاجتماعي لشعوب غربي آسيا منذ قرون عدة، قبل بدء الحملة الصليبية الأولى، فحواها أن الفلاحين والمزارعين