فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 131

على ذلك أهل العلم والإيمان، ولا أعلم أحدًا نازع في ذلك إلا أهل البدع والضلال، الذين لم يستضيئوا بالكتاب ولا بالسنة على فهم السلف الصالح.

قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى: «وزعمت الجهمية المعطلة أن معنى قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتانِ} [المائدة: 64] ، أي: نعمتاه، وهذا تبديل لا تأويل.

والدليل على نقض دعواه هذه أنَّ نعم الله كثيرة لا يُحصيها إلا الخالق البارئ، ولله يدان لا أكثر منهما، كما قال لإبليس عليه لعنة الله: {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، فأعلمنا جل وعلا أنه خلق آدم بيديه، فمن زعم أنه خلق آدم بنعمته، كان مبدِّلًا لكلام الله.

وقال الله عز وجل: {والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِيَّاتٌ بَيَمِينِهِ} [الزمر: 67] .

أفلا يعقل أهل الإيمان أن الأرض جميعًا لا تكون قبضة إحدى نعمتيه يوم القيامة، ولا أن السماوات مطويات بالنعمة الأخرى؟!

ألا يعقل ذوو الحجا من المؤمنين أن هذه الدعوى التي يدَّعيها الجهمية جهلٌ أو تجاهلٌ شر من الجهل؟!

بل الأرض جميعًا قبضة ربنا جلَّ وعلا بإحدى يديه يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، وهي اليدُ الأخرى، وكلتا يدي ربنا يمين، لا شمال فيهما، جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار، إذ كون إحدى اليدين يسارًا إنما يكون من علامات المخلوقين، جل ربنا وعز عن شبه خلقه.

وافهم ما أقول من جهة اللغة، تفهم وتستيقن أنَّ الجهمية مبدِّلة لكتاب الله لا متأولة قوله: {بَلْ يداهُ مَبْسُوطَتانِ} [المائدة: 64] .

لو كان معنى اليد النعمة كما ادعت الجهمية، لقرئت: بل يداه مبسوطة، أو: منبسطة؛ لأن نعم الله أكثر من أن تحصى، ومحال أن تكون نعمه نعمتين لا أكثر، فلما قال الله عز وجل: {بَلْ يداهُ مَبْسُوطتانِ} [المائدة:64] ؛ كان العلم محيطًا أنه ثبت لنفسه يدين لا أكثر منهما، وأعلم أنهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء.

والآية دالة أيضًا على أن ذكر اليد في هذه الآية ليس معناه النعمة:

حكى الله جل وعلا قول اليهود، فقال: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} ، فقال الله عز وجل ردًّا عليهم: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} ، وقال: {بَلْ يَداهُ مَبْسوطَتانِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت