فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 131

والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله.

فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرؤون هذه الآيات المتعلقة بالصفات ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أريد به، ولازم قولهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه. ثم تناقضوا أقبح تناقضن، فقالوا: تجري على ظواهرها، وتأويلها بما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك؛ فلها تأويل لا يعلمه إلا الله!! فكيف يثبتون لها تأويلا، ويقولون: تجري على ظواهرها، ويقولونك: الظاهر منها مراد، والرب منفرد بعلم تأويلها؟! وهل في التناقض أقبح من هذا؟! وهؤلاء غلطوا في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله؛ فأخطئوا في المقدمات الثلاث، واضطرهم إلى هذا التخلص من تأويلات المبطلين وتحريفات المعطلين، وسدوا على نفوسهم الباب، وقالوا: لا نرضى بالخطأ، ولا وصول لنا إلى الصواب!! فتركوا التدبر المأمور به والتعقل لمعاني النصوص، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر فيها، وأولئك جعلوها عرضة للتأويل والتحريف؛ كما جعلها أصحاب التخيل أمثالا لا حقيقة لها». وقول ابن الجوزي: فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت؛ ما أنكر عليكم أحدا»: يقال: لا يضر المنكر إلا نفسه، ولا يهلك إلا نفسه، ولا يضر إنكار أهل الباطل وقيامهم على أهل الحق؛ فإن أهل الأهواء أهل ظلم وبغي وجهل مطبق، وسيرتهم معروفة، ومناهجهم مكشوفة، وأهل الحق لا يدعون بيان الحق، خصوصا في مثل هذه المسألة التي هي أصل من أصول الدين من أجل جعاجع المبطلين المعطلين وتكالبهم على أهل الحق والدين، وما من صاحب حق ودعوة مبنية على الكتاب والسنة؛ إلا ويقيض الله له أعداء يؤذونه ويعادونه، والله جل وعلا ناصر دينه وكتابه وإن رغمت أنوف أهل الأهواء، الذين نصبوا العداوة لأهل الحق، واختلفوا عليهم الأكاذيب، ورموهم بعظائم الأمور، وبهتو هم. اللهم! فعياذا بك ممن كانت هذه صفته وهذه مسلكه وسبيله.

الوجه الثالث: أن قول ابن الجوزي: «إنما حملكم إياها على الظاهر قبيح» :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت