فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 131

وقدح السقاف وطعنه في معاوية من أعظم الظلم؛ فإن معاوية إن كان مخطئا:

فمثله كمثل خالد بن الوليد رضي الله عنه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم! إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» ؛ قالها مرتين. والحديث في «صحيح البخاري» من حديث عبد الله بن عمر.

وكمثل أسامة بن زيد رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة. قال أسامة: فلحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه؛ قال: لا إله إلا الله. فكف الأنصار، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا؛ بلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أسامة! أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟» . قلت: كان متعوذا. فما زال يكررها، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. والحديث في «الصحيحين» .

وكمثل النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ مر بهم رجل يرعى غنما له، وأتوا بغنمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله هذه الآية: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} إلى آخر الآية [النساء: 94] .

والحديث رواه أحمد والترمذي وغيرهما من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس، ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب، وللحديث شاهد عند الإمامين البخاري ومسلم في «صحيحيهما» [1] .

وكل ما جرى من أسامة ومن خالد ومن النفر كان عن اجتهاد لا عن هوى وعصبية وظلم.

والخطأ مغفور لهذه الأمة؛ كما قال تعالى في دعاء المؤمنين: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ، وفي «صحيح مسلم» من حديث ابن عباس مرفوعا: «إن الله جل وعلا قال: قد فعلت» [2] .

وهذا من الخطأ المحقق؛ فكيف فيما لم يتبين أمره ولم يوقف فيه على حقيقة

(1) انظر: «صحيح البخاري» (8/ 258_ الفتح) ، و «صحيح مسلم» (3025) .

(2) انظر: «صحيح مسلم» (2/ 146 - نووي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت