أقوال الجهمية، وله معرفة بالكتاب والسنة؛ قال فيهم أكثر مما قاله الإمام البخاري.
الوجه الثاني: أن قول المعلقين: «لا يوافقه عليه جمهور العلماء ... » : قول لا زمام ولا خطام، ولم يذكرا من هم جمهور العلماء الذين لا يوافقون البخاري؟! أهم من أهل السنة؟ أم من أهل البدع؟ فإن كان الأول؛ فهذا خطأ وجهل؛ فجمهور لعلماء يوافقون البخاري، يعرف ذلك من نظر في كتب السنة لأئمة السلف [1] ، وإن كان الثاني؛ فلا عبرة بعلماء البدع والضلال.
الوجه الثالث: أن قولهما: «وكيف يذهب هذا المذهب مع أنه قد خرج في «صحيحه» أحاديث كثيرة رويت عن الجهمية والخوارج؟!»: فهذا أيضا قول لا دليل عليه سوى القول بلا علم؛ فالإمام البخاري رحمه الله لم يخرج لرافضي ولا الجهمي [2] ، فضلا عن أن تكون أحاديث كثيرة مروية في «الصحيح»
(1) قال الآجري في «الشريعة» (ص 75) : «والجهمية عند العلماء كافرة ... » .
وانظر: «المختار في أصول السنة» (ص 51) .
(2) هذا وقد رمي إسماعيل بن علية- وهو من رجال السته- بالتهجم؛ بدعوى أنه يقول: القرآن مخلوق! وهذا إن صح عنه؛ فقد جاء ما يعارضه ويدل على توبته؛ فإنه كان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.
وقيل: غلط عليه بعضهم، ونسب إليه القول بخلق القرآن؛ بسبب أنه حدث بحديث: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان تحاجان عن صاحبهما» . فقيل لابن علية: ألهما لسان؟ قال: نعم؛ فكيف تكلما؟!
وقد قال الفضل بن زياد: «سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن وهيب وابن علية؟ قال: وهيب أحب إلي، ما زال ابن علية وضيعا من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات. قلت: أليس قد رجع وتاب على رؤوس الناس؟ قال: بلى، ولقد بلغني أنه أدخل على محمد الأمين ابن هارون، فلما رآه؛ زحف إليه، وجعل يقول: يا ابن كذا وكذا! تتكلم في القرآن؟ وجعل إسماعيل يقول: جعلني فداك، زلة من عالم» .
وقال الذهبي رحمه الله في «الميزان» (1/ 219) : «ابن علية قد تاب ولزم السكوت» .
وانظر: «سير أعلام النبلاء» (9/ 110 - 112) ، و «تهذيب التهذيب» (1/ 243) .
وخلاصة القول في ابن علية: إما أنه قال: القرآن مخلوق! وتاب من ذلك، وإما أنه قد غلط عليه بعضهم.
وما قيل أيضا عن بشر بن السري من أنه جهمي؛ فجوابه ما قاله الذهبي في «الميزان» (1/ 318) : «أما التهجم؛ فقد رجع عنه» .
وينبغي أن يعلم أنه ليس كل راو قيل فيه: جهمي، أو: رافضي؛ صار حقًا وصدقًا؛ فلا يقابل قول القائل بالتسليم؛ فلا بد من بينة وبرهان وأدلة كالشمس على ما ادعاه من أنه جهمي أو رافضي، والله أعلم.