فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 391

القصيدة الثامنة والعشرون: قال عمر الحدوشي: رأيت يوم كنا بسجن (أكونتانامو سلا) في زنزانتي الانفرادية، وكانت الحراسة شديدة علينا من جميع أجهزة ما يسمى: (بالأمن الوطني!! بجميع أطيافه) مُنعنا من أبسط حقوقنا ممنوعين: من الكلام مع السجناء، ومن الورق والقلم، ومن الكتاب كيفما كان حتى المصحف، ومن الزيارة، وممنوعين من الطعام-إلا ما يشبه طعام البقر من طبق الحصى مع شيء قليل من العدس، وآخر من الصراصر ممزوج بقليل من (اللوبيا) ، وآخر من الدود مع شيء قليل من الأرز، وكوب من ماء يشبه ماء المجاري مع شيء قليل من السكر، وخبزة صغيرة في اليوم والليلة لو ضربت بها رأس حمار لفلقته-وأقسم بالله- لقد وجدت داخلها عدت مرات أنواعًا من الحشرات، مع إرهاب فكري وجسمي (أمن فرعوني) ممنوعين من الدخول إلى المرحاض إلا بإذن من حارس معفَّن نجس من المخابرات الخبثاء، أو: (السّيمي) أو: (الدرك الملكي) ، أو: (عسكري بليد) ، أو: غيرهم، وحتى لو أذن لك يشترط عليك أن تبقي يدك خارج المرحاض و (اليسار وحدها لما تحت الإزار) ، ولا أعمم الحكم ففيهم من كان آية في الأدب والمعاملة معنا، بل: منهم من كان يدخل لنا رسائل صغيرة في الفقه والحديث، وأشياء من هذا القبيل مما هو خفيف يُخفى في حقائبهم، وبعضهم كان يزيد خبثًا في التفنن في تعذيب المتوضئين.

بل: الأمر أخبث من هذا كما سترى فيما نكتبه على محنتنا في مؤلف خاص-تحت عنوان: (ذاكرة سجين مكافح) -كل هذا-وأكثر-فلا تسمع في الزنازن الانفرادية إلا الأذان بأصوات ندية، وتلاوة قرآن بأصوات خاشعة، ودعاء وقنوت وخشوع وتضرع إلى الله، تطمئن نفسك، وتحس كأنك-علم الله-في مكة المكرمة، وكنا ندعو على الطواغيت بأسمائهم، وكنا نركز على وازر العدل الشيوعي بوزوبع الذي نفق غير مأسوف عليه، بعد أن أصيب بالسرطان في مخه، وكنا ندعو على لعنيكري أن يحبسه الله في جسمه، فاستجاب الله للمظلومين فحبسه الله في جسمه حيث وقع له حادث مروع خطير، كسر فيه عموده الفقري.

حينها رأيت في منامي كأن القيامة قامت، والحساب جارٍ، فأتتني امرأة جميلة جدًا ما رأيت مثلها إلا في منامي هذا، تقدمت نحوي فبدأت تعظني وتحثني على الصبر والمصابرة في كلام جميل جليل فمددت يدي نحوها فقامت مبتسمة إليَّ قائلة: (ليس بعدُ يا أبا الفضل) وبعدها مباشرة رأيت النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يتبسم في وجهي، بلباس أبيض وصورة جميلة فاستيقظت قبيل الفجر وأنا في غاية السرور والسعادة، وبقيت ثلاث سنوات والصورة لم تفارق خيالي وأحس كأني لست

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت