ومنها: أن تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - كان غاية في الحكمة، وقمة في الذكاء والحنكة، فلم يجلس مع أبي بكر وعمر، أو المهاجرين ليحكي لهم ما بدَر من الأنصار، حتى يؤكد صحة مذهبه وطريقته؛ فيقوى بذلك جانبه، ويحقق مآربه، كلاَّ! فهو القائد والمعلم، وأولئك تلاميذ فحسب، والتلميذ مهما بلغ فهو تلميذ يجب أن يحترم قائده وموجهه، ويصبر على تعنيفه وإساءته؛ ففي معارضته حرمان نفسه لخيره وفضائله وصدق القائل:
اصبر على مر الجفا من معلم *** فإن رسوب العلم في نفراته
لقد انفرد - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحي من الأنصار لينصحهم ويربيهم على انفراد تام؛ ليؤكد لنا على أهمية النصح للمخصوص دون استماع غيره، سواء كان هذا المخصوص فردًا أو جماعة وصدق الشافعي حين قال:
تعهدْني بنصحك في انفرادٍ *** وجنبني النصيحة في الجماعهْ
فإن النصح بين الناس نوع *** من التوبيخ لا أرضى استماعهْ
فإن خالفتني وعصيت أمري *** فلا تغضب إذا لم تُعطَ طاعهْ