فهرس الكتاب
صلى الله عليه وسلم ووَجْهُ الثاني: أنها أيام عُرْسٍ. بدليل قوله *: =لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلاَثٌ+.
ولو صَحَّ حديث ابْنِ مَسْعُودٍ: أن اليوم الثالث رِيَاءٌ وسُمْعَةٌ؛ لكان أصلًا، وقد قِيلَ به، وكان الْحَسَنُ لا يُجِيبُ في اليوم الثالث. وقد عَمِلَ سِيرِينُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فِي بَعْضِهَا.
الثالثة عشرة: إذا قلنا: إنه تُكَرَّرُ الوليمة، فقد قال ابْنُ حَبِيبٍ: يَكُونُ الذين يَأْكُلُونَ في المَرَّةِ التي بعد التي قبلها متغايرين، فإن كانوا أولئك بأعيانهم، كانت مباهاة. وأَرَى أن تكرارهم جائز إذِ الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
الرابعة عشرة: السُّنَّةُ في الوليمة أن تَكُونَ بعد الْبِنَاءِ، وطعام ما قبل الْبِنَاءِ لا يقال له وَلِيمَةٌ عَرَبِيَّةً.
وعَجَبًا لبعض شيوخنا، قال: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ قول النبي * لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: =أَوْلِمْ+ قبل الْبِنَاءِ. وهذا رجل جاهل بالعربية؛ لا يُسَمَّى وليمة إلا ما كان بعد الْبِنَاءِ، ولو كان قبل الْبِنَاءِ، لقال له: شَنْدِخْ، (أو: أَمْلِكْ) . لا سِيَّمَا وفي الحديث: =أَنَّهُ رَأَى عَلَيْهِ أَثَرَ صُفْرَةٍ+. وذلك لا يَكُونُ إلا بعد الدخول، حتى لقد رُوِيَ عن يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قال: =مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ *، (وَأَنَا مُتَخَلِّقٌ بِالزَّعْفَرَانِ) ، فَقَالَ لِي: يَا يَعْلَى، هَلْ لَكَ امْرَأَةٌ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ+.
الخامسة عشرة: قد رُوِيَ: أَنَّهَا كَانَتْ صُفْرَةَ زَعْفَرَانٍ. وقد جَوَّزَ علماؤنا صِبَاغَ صُفْرَةِ الزَّعْفَرَانِ للرجال والنساء؛ لحديث ابْنِ عُمَرَ في =الْمُوَطَّأِ+ وغيره.
وقال ابْنُ شَعْبَانَ: يَجُوزُ التَّخَلُّقُ بِالزَّعْفَرَانِ في الثياب دون الْجَسَدِ. ومَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ والشَّافِعِيُّ على الإطلاق.
وقد كان عُمَرُ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ، وكذلك ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ. وكان (عَبْدُ اللهِ) يَصْبُغُ بِالزَّعْفَرَانِ نَصًّا.
وثَبَتَ: =أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْخَلُوقِ، و [يُحَدِّثُ] أَنَّ رَسُولَ اللهِ * كَانَ يُصَفِّرُ بِهَا لِحْيَتَهُ+. وفي لفظ آخَرَ: =بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ+.
وإن كانت صُفْرَةً لا تَنْتَفِضُ على الْجَسَدِ كالصفراء، فلا خلاف في جوازها. وسَيَأْتِي تحقيق القول فيها إن شاء الله.
السادسة عشرة: قال ابْنُ حَبِيبٍ: وقد كان النبي * يَسْتَحِبُّ الطعام على النكاح عند عَقْدِهِ، وعند الْبِنَاءِ. وليس كما زَعَمَ، ما أَطْعَمَ قَطُّ إلا بعد الْبِنَاءِ.
وفي =كتاب مُحَمَّدٍ+: =أَرَى أن يُولِمَ بعد الْبِنَاءِ+.
وفي =العُتْبِيَّةِ+ من رواية أَشْهَبَ عنه: لا بأس أن يُولِمَ بعد الْبِنَاءِ. ومعناه عندي ـ والله أعلم ـ: إذا تَأَخَّرَ كثيرًا.
السابعة عشرة: إذا صَنَعَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ طعامًا، فَدَعَاهُ، جَازَ له أن يَمْشِيَ إليه، بل أَسْتَحِبُّهُ له؛ لأن النبي * أَجَابَ مُلَيْكَةَ، وأَجَابَ أَبَا شُعَيْبٍ، وذلك ـ كما قلنا ـ عند خُلُوصِ الأمر من مَنْقُومٍ به، أو عليه.
ولَمَّا كَثُرَ الطَّعْنُ، قال مَالِكٌ: =لا أُحِبُّ لأهل الفضل الإجابة إلى طعام يُدعَوْنَ إليه+.
الثامنة عشرة: رُوِيَ: =أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَعَا فِي وَلِيمَةٍ الأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ، وَعَزَلَ عَنْهُمُ الْفُقَرَاءَ، وَقَالَ لَهُمْ: نُطْعِمُكُمْ مِمَّا يَأْكُلُونَ، وَلاَ تُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ ثِيَابَهُمْ+. وهذا مما لم يَثْبُتْ، فلا تُعَوِّلُوا عليه، ولو أَرَادَ الجمع بين الإخوان والفقراء لَفَرَّقَهُمْ، ولم يَجْمَعْهُمْ ويَعْتَذِرْ إليهم، فإن هذا كَسْرٌ لنفوسهم، وإثْمٌ يَدْخُلُ عليه من جهتهم، فلا يَفِي إشباعهم بجفائهم.
التاسعة عشرة: الدعاء يَكُونُ على وجهين:
أحدهما: أن يَكُونُوا مُعَيَّنِينَ.
والثاني: أن يقول له: ادْعُ مُعَيَّنًا وغَيْرَ مُعَيَّنٍ. وذلك جائز؛ في الحديث الصحيح أن النبي * قال لأَنَسٍ في وليمته: =ادْعُ لِي فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَمَنْ لَقِيتَ. فَجَاءُوا+. وذَكَرَ الحديث. خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وغيره.
الموفية عشرين: يُدْعَى النساء والصِّبْيَانُ. في الصحيح عن أَنَسٍ ـ واللفظ لِلْبُخَارِيِّ ـ: =أَبْصَرَ النَّبِيُّ * نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ ـ وذَكَرَ كلمة، لم نَجِدْ مَنْ يُقِيمُهَاـ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ+.
الحادية والعشرون: لَوْ دُعِيَ إلَى كُرَاعٍ، لَأَجَابَ. كما في الحديث الصحيح.
الثانية والعشرون: إذا لم يَكُنْ لهم خادم، خَدَمَتْهُمُ الْعَرُوسُ.
في الْبُخَارِيِّ عن سَهْلٍ: =عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ، فَدَعَا رَسُولَ اللهِ * وَأَصْحَابَهُ، فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلاَ قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، إلاَّ امْرَأَتُهُ أُمُّ أُسَيْدٍ، بَلَّتْ تَمَرَاتٍ في تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ * مِنَ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ لَهُ، فَسَقَتْهُ؛ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ+.
قال الإمام الحافظ: فكانت تلك وليمته.
الثالثة والعشرون: ليس في الوليمة على بعض النساء أكثر من الوليمة على بعض ما يُخْرِجُ عن العدل بَيْنَهُّنَّ، كما فَعَلَ النبي *، لأن ذلك لم يَكُنْ عن قَصْدٍ، وإنما كان بِقَدْرِ الْوُجْدِ.
الرابعة والعشرون: (إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ، أَجَبْتَ أَقْرَبَهُمَا مِنْكَ بَابًا) ، فَإنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ. كذلك رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ عن النبي *.