فهرس الكتاب

الصفحة 1267 من 3691

بَابُ الْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ

[1240] أَبُو الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ـ صَنْعَاءُ دِمَشْقَ ـ واسْمُهُ: شَرَاحِيلُ بْنُ آدَهَ، عن عُبَادَةَ، عن النبي * قال: =الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ+.

وقد رَوَاهُ بعضهم، فقال فيه: =بِيعُوا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ+.

قال الإمام الحافظ: هذا الحديث أصل من أصول الشريعة، انْفَرَدَ به عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الشَّامِيُّ الْمَقْدِسِيُّ بِلَفْظِهِ، شَاهَدْتُ قَبْرَهُ ببيت الْمَقْدِسِ عند باب مِحْرَابِ دَاوُدَ [-] ، وهو كان إمام المسجد الأَقْصَى، طَهَّرَهُ اللهُ.

[1243] وفي الصحيح عن عُمَرَ ـ واللفظ لِلْبُخَارِيِّ ـ قال النبي *: =الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، (وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إلاَّ هَاءَ وَهَاءَ+) .

وفي مُسْلِمٍ عن أَبِي الأَشْعَثِ قال: =غَزَوْنَا غَزْوَةً، وَعَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ ـ

وذَكَرَ الحديث ـ فَقَالَ عُبَادَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ * يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ+.

وفي طريق آخَرَ لِمُسْلِمٍ عن عُبَادَةَ: =مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإذَا اخْتَلَفَتِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ+.

وخَرَّجَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: =إلاَّ إذَا اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ+. ومِثْلُهُ بِلَفْظِهِ عن ابْنِ عُمَرَ.

العربية:

قوله: =عَيْنًا بِعَيْنٍ+. يُرِيدُ: مَرْئِيًّا بِمَرْئِيٍّ، لا يَكُونُ غائبًا بغائب، ولا غائبًا بحاضر. والْمَعْنَى هو النَّقْدَانِ.

وقال الْخَطَّابِيُّ: ما دَامَا غير مَسْكُوكَيْنِ فهما تِبْرٌ، فإذا ضُرِبَا سِكَّةً، كَانَا عَيْنًا.

الأحكام:

في (خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً) :

الأولى: اخْتَلَفَ الناس في جَرَيَانِ الرِّبَا في الأموال على أربعة أقوال:

الأول: أنه في جميع الأموال على اختلاف أصنافها، من مَكِيلٍ، ومَوْزُونِ، ومَعْدُودٍ، ومِمَّا لا يَدْخُلُهُ شيء من ذلك عَادَةً، وإن تُصُوِّرَ فيه.

أَخْبَرَنِي بذلك الطُّوسِيُّ الأَكْبَرُ وغَيْرُهُ، عن أَبِي الْمَعَالِي وذَكَرَهُ عن ابْنِ الْمَاجِشُونِ.

الثاني: يَجْرِي في كل مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ.

الثالث: يَجْرِي في كل مَطْعُومٍ.

الرابع: يَجْرِي في كل مُقْتَاتٍ.

ولَمَّا اسْتَقَرَّ الأمر في الشريعة على هذه الأقوال، أَنْشَأَتِ المشيئة ـ وجَاءَ الْوَعْدُ الصادق في ظهور الْبِدَعِ ـ قَوْلًا أَنَّ الرِّبَا مقصور على ما ذَكَرَهُ النبي * في حديث عُبَادَةَ، لا يَتَعَدَّاهُ. فكان حَقُّهُ أن يُقَابَلَ بِالْقَتْلِ، فَقُوبِلَ لِنُفُوذِ الْمَشِيئَةِ بِالتَّنَاظِرِ، حتى صَارَتْ قَوْلَةً، وأَخَذَ بها مَنْ نَفَذَتْ بِالْبِدْعَةِ عليه الْمَشِيئَةُ.

وأما قول ابْنِ الْمَاجِشُونِ المذكور، فلا أَعْلَمُ له وَجْهًا؛ فإن الصحابة كما احْتَرَزَتْ عن الرِّبَا في غير الأعيان السِّتَّةِ التي ذَكَرَ النَّبِيُّ *، كذلك اسْتَرْسَلَتْ على ما ليس بِمَطْعُومٍ، ولا مُقْتَاتٍ، ولا مَكِيلٍ، ونَصَّ النبي * على مَنْعِهِ في الحيوان بِوَجْهٍ، فإن كان أَرَادَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ رِبَا النَّسِيئَةِ، فهو عَامٌّ في كل مال، ولعل أَبَا الْمَعَالِي لم يَفْهَمْ عنه.

فإذا ثَبَتَ أن غير هذه الأعيان يَجْرِي فيها الرِّبَا، كما يَجْرِي فيها، فلا يَخْلُو أن تَكُونَ الْعِلَّةُ الطُّعْمَ. وذلك ضعيف؛ فإن جِهَةَ الطُّعْمِ فيها واحدة، فَأَيُّ فائدة في التَّكْرَارِ، وكذلك جِهَةُ الْكَيْلِ، بَلْ هو أَبْعَدُ، وأيضًا فإن الْكَيْلَ مُخَلِّصٌ من الرِّبَا، فكيف يَكُونُ هو الْعِلَّةَ؟!

فلم يَبْقَ إلا الْقُوتُ؛ نَبَّهَ بِالْبُرِّ على ما يُقْتَاتُ في حال الاختيار، وبِالشَّعِيرِ على ما يُقْتَاتُ في حال الاضطرار، وبالتَّمْرِ على الْقُوتِ الذي يُتَحَلَّى به كَالزَّبِيبِ والْعَسَلِ، ونَبَّهَ بِالْمِلْحِ على ما يُصْلِحُ الأَقْوَاتَ من التَّوَابِلِ للطعام والأَكْلِ، ونَبَّهَ بِالذَّهَبِ والْفِضَّةِ على ما يُتَّخَذُ أثمانًا للأشياء، وقِيَمًا لِلْمُتْلَفَاتِ كَالْفُلُوسِ ونحوها. وهذه حِكَمٌ ما غَاصَ على جَوْهَرِهَا إلا مَالِكٌ، وقد بَيَّنَّاهَا في =مسائل الخلاف+ على التَّمَامِ، فَلْتُنْظَرْ هنالك، إن شاء الله.

وقد وَقَعَ لِمَالِكٍ أن الرِّبَا يَجْرِي في كل مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ من الْمَطْعُومَاتِ، وإن كان أَخْضَرَ.

وذلك عندي ـ والله أعلم ـ لأنه بَلَغَهُ أن الْفَوَاكِهَ في بعض البلدان تُزَبَّبُ وتُدَّخَرُ. وقد شَاهَدْنَا من ذلك كثيرًا، فإذا كانت مُدَّخَرَةً؛ لِتُخَلَّى كَادِّخَارِ الْبُرِّ وحَبْسِهِ لِلْقُوتِ، الْتَحَقَتْ بِالتَّمْرِ والْعَسَلِ.

وقد ذَكَرَ الناس عن أصحابهم وذَكَرَ علماؤنا عن مَالِكٍ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا في النَّقْدَيْنِ كَوْنُهَا قِيَمَ الأشياء الْمُتْلَفَةِ، وأنها عِلَّةٌ قاصرة، لا تَتَعَدَّى.

وقال مَالِكٌ: إنها تَتَعَدَّى إلى ما يَتَّخِذُهُ الناس ثَمَنًا للأشياء، حتى لو اتَّخَذَ الناس الْجُلُودَ بينهم أَثْمَانًا للأشياء، لَجَرَى فيها الرِّبَا.

وقد رَأَيْتُ أهل بَغْدَادَ يَتَّجِرُونَ بِالْخُبْزِ، حتى أن الْحَمَّامَ به يُدْخَلُ، وبه يُبْتَاعُ كُلُّ إدَامٍ، فإذا اجْتَمَعَ عندهم، أَوْرَدُوهُ على الْخَبَّازِ بَارِدًا، وبَاعَهَ بِسِعْرٍ آخَرَ، حتى يَفْنَى بِالأَكْلِ، إذْ لا يُعَادُ ثَانِيَةً إلى الشِّرَاءِ به. فَصَارَتِ الْعِلَّةُ عند مَالِكٍ مَعْنَوِيَّةً، وهو الصحيح.

الثانية: لَمَّا قال النبي *: =الشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ+. صَارَ الشَّعِيرُ صِنْفًا آخَرَ من الْبُرِّ عندهم، إلا أن مَالِكًا انْفَرَدَ بأنه صِنْفٌ واحد؛ لأَجْلِ حديث مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ في الصحيح ـ أنه رَدَّ ابْتِيَاعَ غُلاَمِهِ لِقَمْحٍ بِشَعِيرٍ متفاضلًا، وقال في عُذْرِهِ: =إنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ+.

وقد ثَبَتَ عن النبي * أنهما صِنْفَانِ وجَوَازُ التفاضل بينهما ـ كما تَقَدَّمَ ـ (فلا وَجْهَ لِلْمُضَارَعَةِ والاحتراس من الشُّبْهَةِ مع وجود النَّصِّ) .

الثالثة: قال الإمام الحافظ: مِمَّا يَجْهَلُهُ كثير من الناس الذين لم يَتَبَصَّرُوا في حقائق الاستدلال ظَنُّهُمْ أن جَرَيَانَ الرِّبَا في هذه الأشياء مُخْتَلَفٌ فيه؛ لِمَا رُوِيَ: =أَنَّ مُعَاوِيَةَ غَزَا، فَغَنِمُوا آنِيَةً مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ

مُعَاوِيَةُ [رَجُلًا] أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَذَكَرَ عُبَادَةُ الْحَدِيثَ، فَلَمَّا سَمِعَ عُبَادَةَ يَقُولُ هَذَا فِي مَجْلِسٍ جَمَعَهُمَا، قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ * أَحَادِيثَ، قَدْ صَحِبْنَاهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ؟! فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَادَةَ، فَقَامَ وَأَعَادَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ مَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ *، وَإنْ زَعَمَ مُعَاوِيَةُ، وَقَالَ: مَا أُبَالِي أَنْ أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ+.

وقال: =لاَ أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا، وَرَحَلَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إلَى مَكَانِكَ؛ فَقَبَّحَ اللهُ أَرْضًا لَسْتَ بِهَا وَلاَ أَمْثَالُكَ، وَكَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ: لاَ إمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ+.

وقد ثَبَتَ أيضًا: =أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ * يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِهَذَا بَأْسًا. فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ يَعْذِرُنِي (مِنْ مُعَاوِيَةَ) ؟! أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ *، وَهُوَ يُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ! لاَ أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا. وَجَاءَ إلَى الْمَدِينَةِ ( ... ) وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى مُعَاوِيَةَ: أَلاَّ تَبِيعَ ذَلِكَ إلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ+.

قال الإمام الحافظ: كانت الصحابة إذا اخْتَلَفَتْ في الأشياء لأَجْلِ مَغِيبِ كلام رسول الله * عن بعضها، لم تَطْلُبْ إلا ما قال رسول الله *، ومُعَاوِيَةُ إنما رَدَّ حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ وعُبَادَةَ على رَسْمِ التَّوَقُّفِ لِلتَّثَبُّتِ، كما فَعَلَ عُمَرُ بِأَبِي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَانِ حِينَ رَدَّدَهُ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِ، وَطَالَبَهُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى قَوْلِهِ.

فلما كَتَبَ عُمَرُ إلى مُعَاوِيَةَ بذلك، امْتَثَلَهُ، وقد رُوِيَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ"كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ بِنَحْوِهِ."

أو كما جَرَى بين أَبِي سَعِيدٍ وابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ

يُفْتِي بِجَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نَقْدًا، فَلَقِيَهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: =لاَ عِلْمَ لِي، أَنْتُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ *، إنَّمَا أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ * قَالَ: الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ+. ورَجَعَ عَنْ ذَلِكَ. وما رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ من أنه لم يَرْجِعِ، لم يَصِحَّ، قِيلَ: إنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسِتَّةٍ وَثَلاَثِينَ يَوْمًا، وَهْوَ يَقُولُ ذَلِكَ. وفي يوم يَرْجِعُ الإنسان في قوله، فكيف في سِتَّةٍ وثلاثين؟!

ومَعْنَى حديث النبي *: إثبات الرِّبَا في النَّسِيئَةِ فيما لا يَحْرُمُ فيه رِبَا الْفَضْلِ، وهذا يُعَضِّدُ قول مَالِكٍ في تحريم رِبَا النَّسِيئَةِ في جِنْسِ كل شيء.

الرابعة: إنما أَنْكَرَ عُبَادَةُ ذلك على مُعَاوِيَةَ وَفَاءً بعهده؛ لأنه عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ * عَلَى أَنْ لاَ تَأْخُذَهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ.

الخامسة: إنما جَوَّزَ ذلك مُعَاوِيَةُ؛ لِوَجْهَيْنِ:

إما لأنه لَمَّا رَآهَا آنِيَةً، عَدَّهَا سِلْعَةً، فَذَهَبَ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى مَنْ رَوَى أنه بَاعَهَا بِفَضْلٍ.

أو رَأَى؛ لِكَوْنِهَا سِلْعَةً أن الأَجَلَ فيها جائز.

وقد اخْتَلَفَ الناس في السَّيْفِ الْمُذَهَّبِ أو الْمُفَضَّضِ، فقال مَالِكٌ: إن كان الذي فيه من النَّقْدَيْنِ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ، فجائز بَيْعُهُ يَدًا بِيَدٍ، كذلك فَعَلَ الناس قديمًا. ونَحْوَهُ قال الثَّوْرِيُّ.

وقال الأَوْزَاعِيُّ: إذا كانت الْحِلْيَةُ تَبَعًا، جَازَ بيعه أيضًا نَسِيئَةً. وهو قول رَبِيعَةَ.

وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بحال، كثيرًا كان، أو قليلًا.

وقد قال ابْنُ الْقَاسِمِ: إن بِيعَ إلى أَجَلٍ وفَاتَ، مَضَى الْبَيْعُ. وقال أَشْهَبُ: يَمْضِي بِالْعَقْدِ، ولا يُفْسَخُ.

فأنتم تَرَوْنَ اختلاف العلماء بعد تَقَرُّرِ الشرع في جَعْلِ هذا الْمَصُوغِ مَقَامَ السِّلْعَةِ مُطْلَقًا في كل حال، أو في حال دون حال؛ فكيف يَسْتَغْرِبُونَ على مُعَاوِيَةَ وابْنِ عَبَّاسٍ أن يقولا ما قالا، ولَمَّا يَسْتَقِرَّ الشَّرْعُ بَعْدُ؟!

والذي أَرَى في هذه المسألة أنها لا تَجُوزُ بحال، قليلًا كان، أو كثيرًا، ويُفْسَخُ أبدًا؛ قال مَالِكٌ: كل بيع فاسد يَفُوتُ إلا الرِّبَا، فإنه يُرَدُّ أبدًا.

فإن فَاتَتِ الْعَيْنُ، رَدَّ قِيمَةَ ذِي الْقِيمَةِ، ووَزْنَ ذِي الْوَزْنِ، ونَحْوُهُ عن سَحْنُونٍ.

السادسة: قَدِ اسْتَقَرَّ من أمر الشريعة في حديث عُمَرَ، وعُبَادَةَ =

[1241] = وأَبِي سَعِيدٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأَبِي هُرَيْرَةَ، والْبَرَاءِ وُجُوبُ التقابض في ذلك كله، كان جِنْسًا أو جِنْسَيْنِ، في المجلس الذي وَقَعَ فيه التَّبَايُعُ قبل افتراقهما. فَتَرَكَّبَتْ على ذلك مَسَائِلُ كثيرةٌ، أُمَّهَاتُهَا ....

السابعة: لَمَّا قال: =هَا وَهَا+، =عَيْنًا بِعَيْنٍ+. تَعَيَّنَ التقابض وحضور الْمَبِيعَيْنِ؛ لِيَقَعَ التَّعْيِينُ؛ ولذلك قال علماؤنا: إنه إذا حَضَرَا في مجلس صَرْفٍ، ولم يَكُنْ عنده، فَاسْتَقْرَضَ من جَلِيسِهِ، لم يَجُزْ، إلا أن يَكُونَ قبل التَّرَاضِي والاتفاق؛ لِلْوَاجِبِ في قوله: =يَدًا بِيَدٍ+، =عَيْنًا بِعَيْنٍ+، =هَا وَهَا+. واخْتُلِفَ في قوله: =هَا وَهَا+ ـ وهي

الثامنة ـ: فَقِيلَ: معناه: هَاكَ. أَيْ: خُذْ، فلما حُذِفَتِ الْكَافُ، عُوِّضَتْ منه الهمزة، ثم حُذِفَتِ الْمَدَّةُ، فيقال للواحد: هَا. ولِلاِثْنَيْنِ: هَاؤُمَا. وللجماعة: هَاؤُمْ. ومن الْعَرَبِ من يقول: هَاكَ، وهَاكُمَا، وهَاكُمْ. وجَرَى في ذلك كلام كثير.

لُبَابُهُ عندي: أن =هَا+ تَنْبِيهٌ، وحُذِفَ خُذْ وأَعْطِ؛ لدلالة الحال عليه، فأما اتصال الضمائر به، فَيَدُلُّ على أنه الْمُخَاطَبُ؛ لأنه إذا قال: =هَا+،

فقد نَبَّهَ، فإذا قال: =كَ+، فقد خَصَّصَ، فَحَصَلَ المطلوب من الْفَهْمِ.

وأما هَاؤُمَا وهَاؤُمْ، فقد قالوا: فيه مَعْنَى =أُمَّا+ و=أُمُّوا+، أَيْ: هَا فَاقْصِدَا، واقْصِدُوا. وهذا ممكن، لكن يَعْتَرِضُ عليه أنه لم يُسْتَعْمَلْ منه شيء في الواحد إلا بِالْكَافِ، فهي الأصل؛ ولذلك أَجْرَى بعض الْعَرَبِ الاثنين والواحد عليه في الْكَافِ، ولم يُجْرُوا الواحد على قوله: =أُمَّا+ و=أُمُّوا+، وقد قال الله: ×َ OcFRr'¯"yd هَؤُلَاءِ َ OcF ّ9 y0"y_ ِNهـ k÷] t م÷. فَأَضَافَهَا إلى ضمير المرفوع، والله أعلم.

التاسعة: إن غَلَبَهُمَا على التقابض بعد التعاقد قَدَرٌ بعائق، وليس منهما، فقد خَلَّطَ في ذلك أصحابنا، وفَسَخُوهُ على قُصُورٍ من النَّظَرِ. وإذا تَحَقَّقَ الْقَهْرُ والْغَلَبَةُ بغير صُنْعٍ منهما، فإن الْعَقْدَ لا يَنْتَقِضُ.

فإن كان من أحدهما غَلَبَةٌ لِلآخَرِ، فقد نَصَّ مَالِكٌ وابْنُ الْقَاسِمِ على أن الصَّرْفَ لا يَنْتَقِضُ. وهو صحيح؛ لأن الإكراه على الْفِعْلِ لا يَثْبُتُ له حُكْمُ الاختيار بحال.

العاشرة: إذا وَجَدَ زُيُوفًا، ففي ذلك لعلمائنا وغيرهم تفصيل كثير. جُمْلَتُهُ: أن ما يَخْرُجُ زَيْفًا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ، ولا يَنْتَقِضُ به الصَّرْفُ في الصحيح من الْمَذْهَبِ بالدليل؛ لأن البيع قد وَقَعَ بِشَرْطِهِ، وما طَرَأَ بعد ذلك لا يَعْتَرِضُ عليه، وقَدِ اخْتَلَفَ علماؤنا في ذلك وغيرهم على ( ... ) أقوال:

الأول: أنه يَنْتَقِضُ الصَّرْفُ في الْقَدْرِ الذي وُجِدَ فيه الزَّائِفُ دون غيره، كَدِرْهَمٍ من دِينَارٍ، أو أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا من دِينَارَيْنِ.

الثاني: قال أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْتَقِضُ الصَّرْفُ إن وُجِدَ الزَّيْفُ في النِّصْفِ أو أَكْثَرَ.

الثالث: يُسْتَبْدَلُ الرَّدِيءُ كله، ولو كان الأَكْثَرَ. وقال أَبُو حَنِيفَةَ والأَوْزَاعِيُّ واللَّيْثُ وأَحْمَدُ وقَتَادَةُ والْحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وكذلك لو صَارَفَهُ في جُمْلَةٍ فَعَجَزَ عن أَقَلِّهَا ونَاقَدَهُ فيما وَجَدَهُ فقال (ابْنُ الْقَاسِمِ) في =الْمُدَوَّنَةِ+: تَنْفَسِخُ الصَّفْقَةُ. وقال في =كتاب مُحَمَّدٍ+: لا يَنْتَقِضُ إلا بِقَدْرِ ما عَجَزَ. وهو الصحيح، ولا يَضُرُّهُمَا ما ذَكَرَا في الْعَقْدِ وسَمَّيَا؛ لأن مَالِكًا إنما يَنْظُرُ إلى الْفِعْلِ، ولا يَنْظُرُ إلى القول.

وجُمْلَةُ الأمر: أن مَنْ نَقَضَ الصَّرْفَ، نَظَرَ إلى الصورة. ومَنْ جَوَّزَهُ، نَظَرَ إلى المقصود. ومن بَعَّضَهُ ونَظَرَ إلى الأَقَلِّ والأَكْثَرِ، فذلك اسْتِحْسَانٌ؛ لِتَقَدُّمِ الاحتراز منه في القليل.

ومن الغريب أن بعض أصحابنا يقول: إنه إذا أَرْضَاهُ عنه صَاحِبُهُ، لم يَجُزْ، وإذا تَمَسَّكَ به الآخَرُ، ولم يَرُدَّهُ عليه، جَازَ. وإذا كان الْحَقُّ لله، والْقَبْضُ في الصَّرْفِ تَعَبُّدًا، فكيف جَازَ الصَّرْفُ إن تَمَسَّكَ به، وهو قد دَفَعَ إليه على النَّقْدِ ما لم يَقْبِضْ عنه نَقْدًا؟! فإذا سُمِحَ فيه بِنَظَرٍ، (فذلك النَّظَرُ) يُوجِبُ الْمُسَامَحَةَ على الإطلاق في نُظَرَائِهِ، والله أعلم.

الحادية عشرة: إذا كان الْعَيْنُ مَصُوغًا، هل له حُكْمُ الْعَيْنِيَّةِ الأصلية في الرِّبَا؟ ولا يَنْبَغِي أن يَكُونَ فيه خلاف، وقد قال أَشْهَبُ في =كتاب مُحَمَّدٍ+: يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ نِصْفَ خَلْخَالٍ بما يَصِحُّ، إذا سَلَّمَ إليه جَمِيعَهُ، وانْتَقَدَ الثَّمَنَ.

وقال مَالِكٌ في ذلك، وفي الدِّينَارِ: لا يَجُوزُ، وإن سَلَّمَ إليه جَمِيعَهُ. وهو الصحيح؛ لأَجْلِ أن التقابض لم يَكْمُلْ؛ لأن الشَّرِكَةَ تَنْفِي خَلاَصَهُ، ويُمْكِنُ أن يَكُونَ الْمُعَوَّلُ فيه على أن خروج الزَّيْفِ لا يُمْكِنُ الاحتراز منه؛ فلذلك سَقَطَ اعتباره، وأنتم تَرَوْنَ أن العبادات الْمَحْضَةَ لا يُعْتَبَرُ فيها عند جميع العلماء ـ على اختلاف في التفصيل ـ ما لا يُمْكِنُ الاحتراز منه

فيها، فكيف في المعاملات؟!

الثانية عشرة: إذا كان الْعَيْنُ مَضْمُومًا إلى سِلْعَةٍ، فلا يَخْلُو أن يَكُونَ مَضْمُومًا معها، أو مُفْتَرِقًا منها.

فإن كان مَضْمُومًا في الذِّكْرِ، مِثْلَ أن يَبِيعَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ أو دَرَاهِمَ وسِلْعَةٍ، بِسِلْعَةٍ أو بِدَنَانِيرَ أو دَراهِمَ، فإن ذلك لا يَجُوزُ عندنا، وبه قال الشَّافِعِيُّ.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ: ذلك جائز؛ لأن الدَّنَانِيرَ أو الدَّرَاهِمَ من إحدى الْجِهَتَيْنِ يُقَابِلُهَا مِثْلُهَا، والباقي تُقَابِلُهَا السِّلْعَةُ، فَيَخْرُجُ عن الرِّبَا.

والدليل على فساد هذا: أن السِّلْعَةَ قد تَحُوزُ أَكْثَرَ من الذي يُقَابِلُ الْعَيْنَ من الْجِهَةِ الأخرى، أو أَقَلَّ، فَيَظْهَرُ الرِّبَا. وقد يُمْكِنُ أن يُقَابِلَهَا مِثْلُهَا، فَيَصِيرُ الأمر مجهولًا عند الْعَقْدِ، والْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ في الأموال الرِّبَوِيَّةِ كَالْعِلْمِ في التَّفَاضُلِ في فساد البيع. ولِلْبَابِ عِقْدَانِ ذَكَرَهُمَا لنا علماؤنا:

الْعِقْدُ الأول: قال فَخْرُ الإسلام أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِي في الدَّرْسِ: الصَّفْقَةُ إذا جَمَعَتْ مَالَيْ رِبَا، ومعهما أو مع أحدهما ما يُخَالِفُهُ في الْقِيمَةِ، سَوَاءٌ من جِنْسِهِ، أو من غير جِنْسِهِ، فإن ذلك لا يَجُوزُ.

الْعِقْدُ الثاني: قال أَبُو الْمُطَهَّرِ خَطِيبُ أَصْبَهَانَ: قال لنا الْخُجَنْدِيُّ: الأَصْلُ في الأموال الرِّبَوِيَّةِ حَظْرُ الْبَيْعِ، حتى يُبِيحَهُ تَحْقِيقُ التَّمَاثُلِ، وعند أَبِي حَنِيفَةَ الأَصْلُ إباحة البيع، حتى يَمْنَعَهُ حَقِيقَةُ التَّفَاضُلِ.

وما قلناه أَصَحُّ؛ لقوله *: =لاَ تَبيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةَ بِالفِضَّةِ، وَلاَ الْبُرَّ بِالْبُرِّ+ الحديث. =إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ+، =يَدًا بِيَدٍ+. فَبَدَأَ بِالْحَظْرِ، وأَبَاحَ بعد ذلك بِالتَّمَاثُلِ.

وأما إن كان مَنْظُومًا مَخْرُوزًا إلى لُؤْلُؤٍ أو خَرَزٍ، فَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وجَمَاعَةٌ، ومَنَعَهُ مَالِكٌ وآخرون. والْمَنْعُ أَصَحُّ؛ لوجود الْمَعْنَى المانع في الْمَنْظُومِ، كوجوده في الْمُنْفَصِلِ، ويُعَضِّدُهُ ويَبَيِّنُهُ =

[1255] [1255ـ م] =حَدِيثُ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قال: =اشْتَرَيْتُ قِلاَدَةً يَوْمَ خَيْبَرَ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَقَطَّعْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ *، فَقَالَ: لاَ تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ+. هذا لفظ أَبِي عِيسَى، وقال: =هذا حديث حَسَنٌ صحيح+.

ورَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أيضًا عن حَنَشٍ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قال: =أُتِيَ النَّبِيُّ * يَوْمَ خَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وخَرَزٌ ـ وفي لفظ: مُعَلَّقَةٌ بِذَهَبٍ ـ ابْتَاعَهَا [رَجُلٌ] بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ *: لاَ، حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَرَدَّهُ، حَتَّى مَيَّزَ بَيْنَهُمَا+.

وقد رَوَى قَوْمٌ عن أَبِي حَنِيفَةَ: أنه إن كان الذَّهَبُ أَكْثَرَ، لم يَجُزْ، كنحو ما قَدَّمْنَاهُ. وليس هذا بِمَذْهَبِهِ، وإنما مَذْهَبُهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، ولو كان الذَّهَبُ مِائَةَ دِينَارٍ، والسِّلْعَةُ: خَرَزٌ، أو لُؤْلُؤٌ، أو ثَوْبٌ تُسَاوِي دِرْهَمًا؛ للأصل الذي قلنا عنه.

وهذا الحديث نَصٌّ في الرَّدِّ عليه، والْمَعْنَى الذي عَلَّلْنَاهُ به قَوِيٌّ في بابه.

وقد جَوَّزَ ذلك مَالِكٌ في الْيَسِيرِ، وجَعَلَ الْحُكْمَ في ذلك من باب الضرورة، واحتياج الناس إلى أن يَجْتَمِعَ البيع والصَّرْفُ في القليل، فَجَوَّزَهُ بِحُكْمِ الْمَصْلَحَةِ، وهي قَاعِدَةٌ انْفَرَدَ بها مَالِكٌ في أصول الشريعة، وقد مَهَّدْنَاهَا في موضعها من =مسائل الخلاف+.

وقَدِ اعْتَرَضُوا على هذا الحديث باعتراضين:

أحدهما: قالوا: إنه مُضْطَرِبُ الرواية، ففي كتاب التِّرْمِذِيِّ عن فَضَالَةَ: =اشْتَرَيْتُ+، وأَنَّ الثَّمَنَ اثْنَا عَشَرَ دِينَارًا. وفي كتاب أَبِي دَاوُدَ عن فَضَالَةَ: =أُتِيَ النَّبِيُّ *+، وأَنَّ الثَّمَنَ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ تِسْعَةٌ. وإذا كان مُضْطَرِبًا، لم يَدْخُلْ في حَدِّ الصِّحَّةِ.

الاعتراض الثاني: قالوا: إن الْمُبْتَاعَ قال للنبي *: =اشْتَرَيْتُ قِلاَدَةً فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ+. فقال له النبي *: =لاَ، حَتَّى يُفَصَّلَ بَيْنَهُمَا+. وفي رواية: =حَتَّى يُمَيَّزَ بَيْنَهُمَا+. يَعْنِي: يُمَيَّزَ ويُفَصَّلَ في الثَّمَنِ، فيقول: الذَّهَبُ بِكَذَا، والْخَرَزُ بِكَذَا. ولم يُرِدْ به فَصْلَ أحدهما من الآخَرِ، ولا تَمَيُّزَهُ؛ فإن كل واحد منهما مُنْفَصِلٌ بذاته، مُتَمَيِّزٌ بها.

فالجواب: أننا نقول على الاعتراض الأول: إن الاضطراب غير مُؤَثِّرٍ من وَجْهَيْنِ:

أحدهما: أن الراوي قال: =أُتِيَ النَّبِيُّ *+. وليس ذلك بِمُنَاقَضَةٍ لقوله: =اشْتَرَيْتُ+. لأنه إذا رُدَّ الْفِعْلُ إلى ما لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ في خَبَرٍ بعد التصريح به في آخَرَ، لا يَكُونُ اختلافًا، ولا اضطرابًا.

الثاني: أن اختلاف الرواية في الثَّمَنِ لا يُؤَثِّرُ في صِحَّةِ الحديث؛ لأنه يَجُوزُ بطول المدى أن يَنْسَى قَدْرَ الثَّمَنِ، فَيُحَدِّثَ به تَارَةً على حقيقته، ويَنْسَى في أخرى، فَيَزِيدَ فيه، أو يُنْقِصَ منه، والنِّسْيَانُ لبعض فُصُولِ الحديث لا يُؤَثِّرُ في الباقي، إذا لم يَرْتَبِطْ ما تَذَكَّرَ بما نَسِيَ.

وأما قوله في الاعتراض الثاني: إن معناه: لا، حتى يُمَيَّزَ بينهما. فإنما يَعْنِي به: حتى يَبِيعَهُمَا في صَفْقَتَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، بِشَرْطِ أن يَكُونَ كل واحد منهما غير مَنْظُومٍ مع صاحبه. وتلك هي حقيقة التَّفْصِيلِ؛ لأنه إنِ اشْتَرَى منه، وسَمَّى لكل واحد ما يُقَابِلُهُ من الْعَيْنِ، وهُمَا مَنْظُومَانِ، لم يَصِحَّ من وَجْهَيْنِ:

أحدهما: أنه لا يَعْلَمُ وَزْنَ الْمَنْظُومِ، ولو عَلِمَهُ، لم تَأْتِ فيه الْمَرَاطَلَةُ.

الثاني: أنه لا يَصِحُّ أن يَجْتَمِعَ بَيْعٌ وصَرْفٌ في عَقْدٍ كما بَيَّنَّاهُ، فالأصل فيه أن التَّمْيِيزَ شَرْطُ الصَّفْقَةِ، والتَّفْصِيلُ الذي عَيَّنَهُ النبي * وجَعَلَهُ غَايَةً لِصِحَّةِ البيع، فلا بُدَّ من نهاية التَّمْيِيزِ في كل وَجْهٍ كما ذَكَرْنَا، والله أعلم.

الثالثة عشرة: قال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يُشْتَرَطُ في الطعام بالطعام نَقْدُ الْمَجْلِسِ، وإنما يَنْبَغِي أن يَكُونَ حَالاًّ؛ لأن النبي * =نَهَى عَنِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ+. واخْتَصَّ ذلك بِالسَّلَمِ، ووَرَدَ الشرع بِالصَّرْفِ، وهو يَقْتَضِي بلفظه التقابض في الْمَجْلِسِ، وبَقِيَ قوله في سائر الأعيان: =يَدًا بِيَدٍ+. يَعَنِي: نَقْدًا بِنَقْدٍ، يقال لِمَا ليس بِنَسِيئَةٍ: هذا بَيْعُ يَدٍ بِيَدٍ. قال الله تعالى: × Hw خ) أَنْ acq ن3 s? تِجَارَةً Zou إر% tn $ygtRr مچ'د0 e? ِ Na6oY÷ t/÷. وكَنَّى عنه بِالْيَدِ؛ لأن الْيَدَ آلة التَّعْيِينِ بالإشارة، كما هي آلة القبض. وقد عَظَّمَ هذه النُّكْتَةَ أَهْلُ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ.

قلنا: لا تُعَظِّمُوا ما حَقَّرَ اللهُ؛ قد قال: =عَيْنًا بِعَيْنٍ+. وكذلك قوله: =يَدًا بِيَدٍ+. إنما هي إشارة إلى ما لم يَغِبْ، وإنما سُمِّيَ الغائب الْحَالُّ يَدًا وحاضرًا مَجَازًا، وإلا فحقيقة ذلك مُعَايَنَتُهُ، والله أعلم.

[1242] الرابعة عشرة: ذَكَرَ أَبُو عِيسَى في الباب حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قال: =كُنْتُ أَبِيعُ الإبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، فَآخُذُ مَكَانَهَا الْوَرِقَ، وَأَبِيعُ بِالْوَرِقِ، فَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ *، فَوَجَدْتُهُ خَارِجًا مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ بِالْقِيمَةِ+. وقال: أَسْنَدَهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وأَوْقَفَهُ على ابْنِ عُمَرَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ. قال: وقد كَرِهَ ذلك بَعْضُ أصحاب النبي *.

ورَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وغيره، فقال فيه: =لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا، وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ+.

قال الإمام الحافظ: الذي مَنَعَ من ذلك هو أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وكان ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَكْرَهُ ذلك إلا بِسِعْرِ يَوْمِهِ.

وقال الْمُفَسِّرُونَ: هذا مُسْتَثْنًى من مَنْعِ بَيْعِ ما لم يَقْبِضْ ورِبْحِ ما لم يَضْمَنْ، إلا ما زَادَ أَبُو دَاوُدَ في قوله: =بِسِعْرِ يَوْمِهِ+. لأنه إن كان زائدًا، ففيه رِبْحُ ما لم يَضْمَنْ. وإذا صَحَّ الحديث، وَجَبَ القول به على مَذْهَبِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وإذا كان من قول ابْنِ عُمَرَ، فقد تَقَدَّمَتِ الأدلة على جواز ذلك.

الخامسة عشرة: قوله: =إذَا لَمْ تَتَفَرَّقَا، وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ+. كذلك قال النبي *: =يَدًا بِيَدٍ+. وقال عُمَرُ في حديث طَلْحَةَ: =وَاللهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ، أَوْ لَتَرُدَّنَّ إلَيْهِ ذَهَبَهُ+. وفيه أيضًا دليل ـ وهي

السادسة عشرة ـ: على أن الحاكم يَحْلِفُ على حُكْمِهِ، والرجل الصالح يَحْلِفُ على فِعْلِهِ، ولا يَدْخُلُ ذلك في باب قوله: × xwur (#qe=ye ّ grB ©! $# Zp> تَ مم ِ Na6 د Y"yJ÷'X {cr& (#r"} y9s?(#qa) Gs?ur (#q كsخ=َء e?ur a ْ÷ ut/ ؤ¨$¨ Y9$#÷.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت