فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 684

الْجَوْهَرِ مُتَنَاسِبِ اللَّآلِئِ، فَسَوَاءٌ صَحَّ مَا ذُكِرَ مِنْ حِكَايَةِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ أَوْ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنَّ صِحَّتَهُ لَا تَضُرُّ بِالْتِئَامِ السِّيَاقِ وَلَا بِعُمُومِ الْحُكْمِ، إِذِ السَّبَبُ الْخَاصُّ لَا يُنَافِي عُمُومَ الْحُكْمِ.

وَالْأَمَانَةُ حَقٌّ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، وَيُودَعُهُ لِأَجْلِ أَنْ يُوَصِّلَهُ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ كَالْمَالِ وَالْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُودَعُ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ قَدْ تَعَاقَدَ مَعَ الْمُودِعِ عَلَى ذَلِكَ بِعَقْدٍ قَوْلِيٍّ خَاصٍّ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُوَدَعِ عِنْدَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ كَذَا إِلَى فُلَانٍ مَثَلًا، أَمْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ التَّعَامُلُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ هُوَ بِمَثَابَةِ مَا يَتَعَاقَدُ عَلَيْهِ الْأَفْرَادُ فِي الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ، فَالَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ قَدْ أُودِعَ أَمَانَةً وَأُخِذَ عَلَيْهِ الْعَهْدُ بِالتَّعَامُلِ وَالْعُرْفِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ هَذِهِ الْأَمَانَةَ وَيُفِيدَ النَّاسَ وَيُرْشِدَهُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ الْعَامَّ عَلَى النَّاسِ بِهَذَا التَّعَامُلِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَهُمْ شَرْعًا وَعُرْفًا بِنَصِّ قَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (3: 187) ، وَلِذَلِكَ عُدَّ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ خَائِنِينَ بِكِتْمَانِ صِفَاتِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَيَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ أَمَانَةَ الْعِلْمِ إِلَى النَّاسِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْدَعَ الْمَالَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَيَتَوَقَّفَ أَدَاءُ أَمَانَةِ الْعِلْمِ عَلَى تَعَرُّفِ الطُّرُقِ الَّتِي تُوَصِّلُ إِلَى ذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تُعْرَفَ هَذِهِ الطُّرُقُ لِأَجْلِ السَّيْرِ فِيهَا، وَإِعْرَاضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ الَّتِي تَتَأَدَّى بِهَا هَذِهِ الْأَمَانَةُ بِالْفِعْلِ هُوَ ابْتِعَادٌ عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، وَإِخْفَاءُ الْحَقِّ بِإِخْفَاءِ وَسَائِلِهِ هُوَ عَيْنُ الْإِضَاعَةِ لِلْحَقِّ، فَإِذَا رَأَيْنَا الْجَهْلَ بِالْحَقِّ وَالْخَيْرِ فَاشِيًا بَيْنَ النَّاسِ وَاسْتُبْدِلَتْ بِهِ الشُّرُوعُ وَالْبِدَعُ، وَرَأَيْنَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يُعَلِّمُوهُمْ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ فَيُمْكِنُنَا أَنْ نَجْزِمَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ لَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ، وَهِيَ مَا اسْتُحْفِظُوا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِ اسْتِبَانَةِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ وَقُرْبٍ، فَهُمْ خَوَنَةُ النَّاسِ وَلَيْسُوا بِالْأُمَنَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت