فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 684

نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ" [1] .

" (عَنْ مُعَاذٍ) أَيِ ابْنِ جَبَلٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ) وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَدْ أَصَابَنَا الْحَرُّ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَبُهُمْ مِنِّي فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَقُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ) التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلنَّوْعِ، أَيْ عَمَلٍ عَظِيمٍ أَوْ مُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ، فَلَا يُرَدُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ مِنْ أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ"يُدْخِلُنِي"جَوَابَ الْأَمْرِ يَبْقَى"بِعَمَلٍ"نَكِرَةً غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ، وَهِيَ لَا تُفِيدُ. (يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ عَمَلٍ إِمَّا مُخَصِّصَةٌ، أَوْ مَادِحَةٌ، أَوْ كَاشِفَةٌ، فَإِنَّ الْعَمَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ كَأَنَّهُ لَا عَمَلٌ، وَبِالْجَزْمِ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ هُوَ صِفَتُهُ أَيْ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ إِنْ أَعْمَلْهُ يُدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، وَقِيلَ: جَزْمٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، أَيْ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ إِنْ تُخْبِرْنِي يُدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، يَعْنِي أَنَّهُ الْخَبَرُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ إِلَى الْإِدْخَالِ، وَإِسْنَادُ الْإِدْخَالِ إِلَى الْعَمَلِ إِسْنَادٌ إِلَى السَّبَبِ أَوْ شِبْهِ الْعَمَلِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْمَطْلُوبِ بِالْفَاعِلِ الْحَقِيقِيِّ، أَوِ الْمَعْنَى يُدْخِلُنِي لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِفَضْلِ اللَّهِ يَجْعَلُهُ سَبَبًا لِدُخُولِهَا، وَقِيلَ: الْجَزْمُ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً. أَقُولُ: فَكَأَنَّهُ نَظَرَ فِي عَدَمِ صِحَّتِهِ دِرَايَةً أَنَّ الْإِخْبَارَ لَيْسَ سَبَبًا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، بَلِ الْعَمَلُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إِخْبَارَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَسِيلَةٌ إِلَى فِعْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَالْإِخْبَارُ سَبَبٌ بِوَجْهٍ مَا لِإِدْخَالِ الْجَنَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ"يُقِيمُوا"فِي (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) "

(1) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ ثُمَّ قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَفَّ اللِّسَانِ وَضَبْطَهُ وَحَبْسَهُ هُوَ أَصْلُ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ فَقَدْ مَلَكَ أَمْرَهُ وَأَحْكَمَهُ وَضَبَطَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت