فهرس الكتاب
، وَكَذَا هُوَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى لِلْمُصَنِّفِ، وَالْإِنْقَاذُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْعِصْمَةِ مِنْهُ ابْتِدَاءٌ بِأَنْ يُولَدَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَسْتَمِرَّ، أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ"يَعُودُ"عَلَى مَعْنَى الصَّيْرُورَةِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْعَوْدَةَ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ عَدَّى الْعَوْدَ بِفِي وَلَمْ يُعَدِّهِ بِإِلَى؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ يَسْتَقِرُّ فِيهِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَتُرِكَ الْبَتَّةَ إِلَى أَنْ قُتِلَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْأَدَبِ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ، وَلَفْظُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ"وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ"وَهِيَ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّهُ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُنَا جُعِلَ الْوُقُوعُ فِي نَارِ الدُّنْيَا أَوْلَى مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ فِي نَارِ الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَصَرَّحَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَنَسٍ وَزَادَ فِي الْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ ذِكْرَ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ وَلَفْظُهُ"وَأَنْ يُحِبَّ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضَ فِي اللَّهِ"وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَرْجَمَتِهِ"وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ"وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [1] ."
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري» مسألةُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ» الحديث رقم 16